عبد الملك الجويني

7

نهاية المطلب في دراية المذهب

6584 - ثم إن الشافعي صدّر الكتاب بما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " ( 1 ) ، وذكر للحديث تأويلين : أحدهما - أنه قال : يحتمل : من الحزم والاحتياط للمسلم ألا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه ، قال : ويحتمل أنه أراد بهذا أمراً بالمعروف على طريق الأولى ، وهذا قريب من الأول . ثم ظاهر الحديث قد يوهم أنه لو كتب كتاب الوصية يكتفى بكتابته ، ويعوّل على كتابه ، وليس الأمر كذلك عند عامة العلماء ، فلا بد وأن يشهد شاهدين عدلين ولا يكفي أن يشهدهما على ما في الكتاب من غير أن يطلعا عليه . ومما شهر من هفوات بعض الأئمة ، وهم من المنتمين إلى أصحابنا ما حكي أن الأمير نصرَ بنَ أحمد ( 2 ) ، من أمراء خراسان ، أراد أن يوصي بوصايا فيكتبها ، فيُعمل بكتابه ، فاستشار العلماء ، فلم يفتوا له بذلك ، فاستشار محمدَ بنَ نصر المروزي ( 3 ) ، فأفتى له بالتعويل على كتابه إذا استوثق فيه ، ووضعه على يد مأمون بمشهد أُمناء ، واحتج بظاهر الحديث ، فحظي عنده ، وارتفع قدره . وأجمع علماء الزمان على تخطئته . ولا ينبغي أن يجيل الإنسان فكره في هذا الفصل ؛ فإنه من أعظم أركان الشهادات وسيأتي القول فيه مستقصىً في موضعه ، إن شاء الله تعالى . 6585 - ثم قال الأئمة : الوصايا على ثلاثة أقسام : وصية بعينٍ من الأعيان كالوصية بعبد ، أو دابة ، أو دار ، أو نحوها . ووصية بجزء شائع مضافٍ إلى المال ، كالوصية بالثلث أو الربع ، ونحوهما .

--> ( 1 ) حديث : " ما حق امرئ مسلم . . . " متفق عليه ( ر . اللؤلؤ والمرجان : 399 ح 1052 ) . ( 2 ) الأمير نصر بن أحمد بن أسد بن سامان ، مؤسس الإمارة السامانية ، أصله من خراسان ، كان عاقلاً ، ديّناً ، أديباً ، يقول الشعر ، ت 279 ه - . ( ر . الأعلام للزركلي : 8 / 21 ، واللباب : 1 / 523 ) . ( 3 ) محمد بن نصر المروزي ، من أصحاب الوجوه في المذهب ، ت 294 ه‍ ( سبقت ترجمته ) .