عبد الملك الجويني
72
نهاية المطلب في دراية المذهب
وأصل الرهن مجمع عليه ، وهو يشتمل على ركنين : مرهون ، ومرهون به . أما المرهون ، فلا يكون إلا عيناً ، لأن الغرض من الرهن التوثيق ، ولا يتوثق الدين بالدين ، وهو مشبه بالهبة ، من حيث إنه تبرع يفتقر إلى القبول . ثم الهبة تختص بالعين . ولو قال : وهبت منك ألف درهم ثم نقدها عن ذمته ، وأقبض لم يصح ، بخلاف ما لو باع ألفاً بألف ، ثم نقدا وتقابضا قبل التفرق . هذا في المرهون . وأما المرهون به ، فلا يكون إلا ديناً ؛ فإن الغرض استيفاء الدين من العين ، عند فرض العسر . ولو كان المرهون به عيناً ، فاستيفاؤها من المرهون محال ، وهي متعينّة . وفي ضمان الأعيان المضمونة كلام وتردد سنفرعه على قولي كفالة الأبدان من كتاب الضمان . وإذا جوزنا ضمان الأعيان المضمونة ، فهو بتقدير ضمان قيمتها إذا تلفت ، ولا يجوز الرهن بالعين على هذا التقدير في المذهب الظاهر ؛ لأن الضامن لا ضرر عليه إذا امتد بقاء العين ، فالذمة متسعة لالتزام الحقوق . ولو جاز الرهن على هذا التقدير ، لجر ضرراً دائماً لا نهاية له ؛ فإن العين التي يقدر الرهن بها ربما لا تتلف أبداً ، فيبقى الرهن دائماً ، ويطرد الحجر بدوامه . فصل قال الشافعي : " والدين حق ، فيجوز الرهن به . . . إلى آخره " ( 1 ) . 3518 - قال الأصحاب : أراد حق لازم . فنقول : قد تقدم أن المرهون به يشترط أن يكون ديناً . وغرضنا انحصار الرهن في قبيل الديون . وهذا الفصل يحوي تقاسيم الديون ، فهي منقسمة ثلاثة أقسام : دينٌ لازم مستقر في الذمة ، كالسلم ، والقرض ، والأروش ، والأثمان ، والمهور ، والأجور ، فيجوز الرهن بهذه الديون . والقسم الثاني - دين لا يتصف باللزوم ، ولا يُفضي إليه ، وهو كنجوم الكتابة ، فلا
--> ( 1 ) ر . المختصر : 2 / 210 .