عبد الملك الجويني
465
نهاية المطلب في دراية المذهب
يندر ؛ فإنه لا ضبط لأحوال المارة ، واطراد الرفاق مع الحمولات ، والكنائس ، وغيرها ، وقد يتفق ذلك ليلاً ونهاراً ، فالوجه اعتبار الأقصى في الباب . وحكى العراقيون وغيرهم عن بعض الأصحاب أن الجناح ينبغي أن يكون بحيث لا يناله رأسُ رمحٍ منصوب من رَاكب ، وهذا عزاه العراقيون إلى أبي عبيد ( 1 ) بن حَرْبُوَيْه ، ثم زيف الأصحاب ذلك ، [ وفيه زحف ] ( 2 ) ، وعدُّوه سرفاً في تصوير الصور ؛ فإن إضجاع الرمح يسيرٌ غيرُ عسير ، فينبغي أن يكون ضبط الضرر بما يتعسر تغييره على الطارقين ، لمكان الأجنحة ، كالكنائس ، والحمولات . 4134 - وممَّا يتعلق بأحكام الشوارع في الفن الذي نحن فيه : أن طائفة من أصحابنا قالوا : لو بنى الإنسان دَكَّةً على باب داره ، أو غرس أشجاراً ، فإن كان يتضرر به المارة ، مُنع منه ، وإن كان لا يتضرر به المارة ، فلا منع . ثم قال هؤلاء : لا يختص بناء الدَّكة ، وغرسُ الأشجار بفِناء الملك ، بل لو تباعد عن داره ، [ وبنى ] ( 3 ) دَكة بقرب دار الغير ، أو غرس أشجاراً لا يتضرر بها المارة ، فلا يمتنع منه . هذا مسلكٌ لبعض أصحابنا ، وإليه ميل القاضي فيما نقل الأثبات عنه . وكان شيخي يقول : لا يسوغ غرس الأشجار في الشوارع ؛ فإن مكانه مستحق للطروق ، وفي شغله بالغراس منعٌ للطريق . والدَّكةُ المرتفعة في معنى الغراس ، ولا نظر إلى اتساع الطريق وتضايقها ، مع ما حققناه ؛ فإن الرفاق قد تصطدم ، وقد يفرض طروقُ عسكرٍ ، أو أسرابٍ من البهائم . والذين ذكروا في الأجنحة توقع اصطكاك الحمولات والكنائس ، لم يفصلوا بين اتساع الطرق وتضايقها .
--> ( 1 ) أبو عبيد بن حَربُوَيه : علي بن الحسين بن حرب ، بن عيسى البغدادي ، القاضي ، ت 319 ه ببغداد . أحد أركان المذهب ، تخرج بأبي ثور ، سمع أحمد بن المقدام العجلي ، والحسن بن عرفة ، والحسن بن محمد الزعفراني ، وغيرهم ، كان مهيباً ، وافر الحرمة ، ولي القضاء بمصر ثماني عشرة سنة ( طبقات السبكي : 3 / 446 ، وتاريخ بغداد : 11 / 395 ) . ( 2 ) ما بين المعقفين غير مفهوم المعنى . والعبارة مستقيمة على أية حال ، بدون الوقوف عنده . ( 3 ) في الأصل : وفنى .