عبد الملك الجويني
46
نهاية المطلب في دراية المذهب
الأخلاط ، فلا يصلح السلم فيه ، كالغالية من العطر ، والمعاجين والجُوَارِشْنات ( 1 ) ، وكالهرائس من المطبوخات ، ومعظمِ المرق ذواتِ الأخلاط المقصودة . والضرب الرابع - مختلط في الصورة ولكن يتأتى ضبط ذلك لكل قسم منه ، وهو مثل الثياب التي نسجت من الغزل والإبريسم ، والخزوز ( 2 ) بهذه الصفة . فإن لم يتأت الضبط ، فالسلم باطل ، كالسلم في المعاجين . وإن أمكن الضبط ، ففي المسألة وجهان : أحدهما - أن السلم يصح لإمكان الضبط . والثاني - لا يصح ؛ فإن أحد القسمين لا يتميز في الحسّ عن الثاني في الثياب العتّابية ( 3 ) ونحوها . وهذا عندي قياسٌ . ونقل بعض المعتمدين أن الشافعي نص على جواز السلم في الخزوز ، فإن صح هذا ، فالخزوز أنواع ، فلعله جوّز السلم فيما يتحد جنسه ، ومنه ما لا يكون كذلك . ولو جوزنا السلم في الثياب المختلطة من غير أن يتميز في الحس قسم عن قسم ، لوجب تجويز السلم في المعاجين تعويلاً على قول العاجن ، وإذا لم يجز ذلك ، فسبب المنع ما يتوقع من تنازع بين المسلِم والمسلَم إليه . ومثل هذا غير محتمل في السلم . وعدّ المزني لما ذكر المختلطات من الأدوية ، وفنون الطيب من جملة ما لا يجوز السلم فيه الأدهانَ المرببة ( 4 ) المطيّبةَ ، كدهن البنفسج والورد ، وما أشبههما . وأجمع الأصحاب على أن ما قاله غلط غيرُ راجع إلى مأخذ الأحكام ، ولكنه أمرٌ تخيّله في التصوير ، فظن أن هذه الأدهان خالطها أشياء ليست منها ، وهذا خطأ ؛ فإن أصول
--> ( 1 ) الجوارشنات ، يظهر من السياق أنها نوع من المخلوطات . وفي اللسان عن النهاية لابن الأثير : " أهدى رجل من أهل العراق إلى ابن عمر جُوارِشن ، قال : هو نوع من الأدوية المركبة ، يقوي المعدة ، ويهضم الطعام " ، قال : " وليستَ بعربية " . ( اللسان : مادة : ج . ر . ش . ن ) . ( 2 ) الخزوز جمع خز ، وهو ما ينسج من الثياب من صوفٍ وإبريسم . ( 3 ) لعلها نسبة إلى محلة ببغداد بهذا الاسم ( ر . الأنساب للسمعاني ) . وهو نوع معروف من الثياب ، كان سَداه من الغزل ولحمته من الحرير ، وقد سبق الكلام عنه عند ذكر ما يحل وما يحرم من الثياب ، وكان ذلك في صلاة الخوف . فراجعه ، إن شئت . ( 4 ) ر . المختصر : 2 / 208 .