عبد الملك الجويني
440
نهاية المطلب في دراية المذهب
بأمرٍ مجتهد فيه ، من غير أن يصدرعن نظر المجتهد . ومن أصحابنا من قال : يعود محجوراً عليه ، كما ( 1 ) عاد السفه ، ولا حاجة إلى نظر القاضي ، بل عَوْدُ السفه ، وطريانُه بمثابة طريان الجنون . 4085 - ثم إذا كان الحجرُ يثبت بنفس السفه ، أو بضرب القاضي ، فلو طرأ الفسقُ مع استدامة الضبط في المال والضِّنةِ به ، فهل يعاد الحجر عليه لمكان الفسق ؟ المذهب أَنَّه لا يعاد ؛ ولو حجر القضاةُ على الفسقة ، لحُجر على معظم الخليقة . وكل ما يفعله الحُكّام نظراً ، فهو محتوم . ونحن نعلم أن الأولين لم يَرَوْا الحجرَ على الفسقة ، ولو رأَوْه ، لأظهروه ، ثم كان لا يخفى النقل فيه . فخرج ممَّا ذكرناه أن طريان الفسق مع التبذير يتضمن الحجرَ ، وطريان التبذير مع الصَّلاح في الدين يوجب الحجرَ أيضاً . فأمّا الفسق المجرَّد ، ففيه من الخلاف ما ذكرناه . 4086 - ولئن قال قائلون : طريان التبذير يوجب الحجرَ من غير ضربٍ من جهة القاضي ، فلا ينبغي أن يُعتقدَ هذا الوجهُ في الفسق المجرّد مع الضِّنة بالمال ، ويجب القطعُ بأن الحجر بالفسق المجرد - إن رأيناه - فلا مأخذ له إلا ضربُ القاضي واجتهادُه . 4087 - ثم إن زال السفه الطارىء وظهر الرشدُ ، فإن قلنا : الحجر موقوف على ضربٍ ، فالانطلاق ( 2 ) عنه موقوف على قضاء القاضي . وإن قلنا : نثُبت الحجرَ من غير ضرب من جهة القاضي ، ففي زوال الحجر عند زوال السَّفه الطارىء وجهان ، كما تقدّم ذكرهما في زوال السّفه الذي كان متصلاً بالصبا . 4088 - وتمام الغرض في ذلك أن الصبيّ إذا بلغ سفيهاً ، وكان يليه في صباه أبوه ، فوليّه في السفه وليُّه في الصبا بلا خلاف . وكذلك لو بلغ مجنوناً ، واتصل الجنون بالبلوغ فيليه مجنوناً من كان يليه صبياً . ولو بلغ عاقلاً رشيداً ، ثم طرأ الجنون ، فلا شك في كون المجنون محجوراً عليه ،
--> ( 1 ) كما : بمعنى عندما . ( 2 ) ( ت 2 ) : فانطلاق الحجر .