عبد الملك الجويني
353
نهاية المطلب في دراية المذهب
وهذا كلامٌ منّا مُبْهمٌ في صدر الفصل ، ولا ينتجز الفصل إلا بعد انكشاف الغطاء ، إن شاء الله تعالى . هذا إذا كان الخلط بالمثل أو الأردأ . 3902 - فأما إذا خلط المشتري الزيتَ بزيت - عنده - أجود ( 1 ) ، فهل يكون البائع واجداً عين ماله ؟ تردد قولُ الشافعي فيه ، فقال في أحد القولين : إنه واجد كما إذا وقع الخلط بالمثل أو الأردأ ، وكما لو باع ثوباً فصبغه المشتري فبائع الثوب واجد ( 2 ) عينَ ماله ، وإن اتصل به عينُ مال المشتري اتصالاً لا يقبل التمييز ، على ما سنذكر هذا على الاتصال بهذا الفصل . وقال في القول الثاني : البائع فاقدٌ - في الحكم - عينَ المبيع . قال الشافعي : لأن الذائب إِذا اختلط بالذائب ، انقلب . وأشار إِلى أن عين المبيع لا يمتاز أصلاً ، ولا يتأتى امتيازه حساً ودَرْكاً . وليس كالثوب يُصبغ ، والسَّوِيقُ يُلتُّ بالسّمن ؛ فإِنّ أحد الجوهرين ممتازٌ في الدرك . ثم إِن أصحابنا لما رأَوْا الشافعي يتعلق بانقلاب الذائب ، انعكسوا على الخلط بالمثل والأردأ ، فرأى بعضهم أن يخرّج فيما مضى قولاً أن البائع فاقدٌ عين ماله ؛ فإن المبيع لا يأتي تميُّزه فصلاً ، ولا دَركُه على التعيين . وقد ذكرنا أن من اشترى حنطة ، فانثالت عليها حنطة أخرى للبائع قبل التسليم إِلى المشتري ، فهل يُقضى بانفساخ العقد ؟ فعلى قولين . وإِذا كنا نجعل الاختلاط في قولٍ بمثابة تلفِ المبيع ، فلا يبعد أن يجعل الاختلاط بالمثل في يد المشتري بمثابة التلف . ومن أصحابنا من أجرى الخلط بالمثل والأردأ على القطع ، وخصص القولين بما إِذا كان الخلط بالأجود . وهذا ظاهر النص ، ومقتضى نظم كلام الشافعي . ويبعد عن موافقة مراده أن نقول : ما فصَّله ، ثم قطع جوابه في بعض التفاصيل ، وردده في البعضِ لا فرق فيه . وهذا إِن قيل به ردٌّ لكلام الشافعي ، وإِبطالٌ لتقسيمه وتفصيله .
--> ( 1 ) في ( ت ) : " أجود عنده " . ( 2 ) في الأصل : واجداً .