عبد الملك الجويني
236
نهاية المطلب في دراية المذهب
القابض أن المؤدِّي يودعه الألفَ ، وأنه مستحفظ فيه ، وقصد المؤدِّي قضاءَ حقه ، فالقبض يتم ، وذمة المؤدي تبرأ . وهذا فيه أدنى نظر عندي ؛ فإن الإقباض شرطه التمليك ، وكل من عليه الدين إذا أداه ، فكأنه يُملّك القابضَ ، ويثبت له في الأعيان ملكاً ؛ فإن حقه لم يكن متعلِّقاً بعين ، فإن وصل المُقبضُ فِعله بقولٍ ، فذاك . وإن لم يصله بقول ، فلا يبعد أن نقول : لا بد من مَخِيلة مُملِّكة مشعرة بتسليط القابض ؛ فإن التمليك بالمبهمات غيرُ متجه . 3712 - فإذا تبين ما ذكرناه ، عاد بنا الكلامُ بعده إلى طريق فصل التنازع . فنقول : إذا اختلف الراهن والمرتهن على ما ذكرناه ، فالقول قول الراهن مع يمينه . ولو قال : أديتُ الألفَ ، وقصدت أن يكون نصفُه عن جهة الرهن ، ونصفه عن الألف المرسل ، فهو مصدَّق ، فإن نُوزع ، يُحَلَّف . وإن قال : لم يكن لي قصدٌ في تعيين جهةٍ ، وإنما أديت الألف مرسلاً ، ففي المسألة وجهان : أحدهما - أنا نقول له : الآن اصرف الألفَ إلى أي جهة شئت . فإن صرفه إلى الرهن ، انفك . وإن صرفه إلى الآخر ، بقي الرهن ، وإن قسمه عليهما ، انقسم . والوجه الثاني - أن الأداء المطلق محمول على التقسيم ، فيقع عن كلّ دين قسطٌ من المؤدَّى . فإن [ استويا ] ( 1 ) في المقدار يقسط عليهما بالسوية ، وإن اختلفا ، يقسط عليهما على تفاوت القدرين . ولهذا نظائر منها : أنه لو أقرض مشرك مشركا ألفاً بألفين ، ثم قضاه أحد الألفين في الشرك ، ثم أسلما ، فقال المؤدي : أديتُ في الشرك ما أديتُ عن جهة الربح ، فالألف قائم عليه ، وهو مطالبٌ به في الإسلام . وإن زعم أن الذي أديتُه قصدتُ به تأدية رأس المال ، فهو مصدّق ، وإن اتهم ، حُلِّف . وموجب تصديقه الحكمُ ببراءته ؛ فإن أصل الدين قد تأدى ؛ ولا ربحَ في الإسلام . وإن زعم أني أديت الألف ولم أقصد صرفَه إلى جهة مخصوصة ، فوجهان : أحدهما - أن المؤدّى مُقسط على الربح ورأس المال . وحكم ذلك أن يطالبه في الحال بخمسمائة ؛ فإنه قد أدَّى
--> ( 1 ) في الأصل : استوفى .