عبد الملك الجويني
88
نهاية المطلب في دراية المذهب
فإن قيلَ : إذا خَثُر الشيءُ ، كان أثقلَ ، والذي يحويه المكيال من الشيء الخاثر يزيد على الرقيق من جنسه بالوزن زيادةً ظاهرةَ ، فما الوجه في ذلك ؟ قلنا : منع بيع الدبس بالدبس غير مبني على التفاوت في الوزن مع التساوي في المكيال ؛ فإنا لو اعتبرنا ذلك لجوَّزنا بيع الدبس بالدبس وزناً ، إذا كان يوزن . ولكنا اعتمدنا في ذلك خروجَ الدبس عن حال الكمال ، ولا ندري كم في كل دبس من أجزاء العصير . وأما الرائب الخاثر ، فقد قطع الأصحاب بجواز بيعه باللبن ، وجواز بيع بعضه بالبعض ، ويتَّجهُ في بيع بعضه بالبعض أن يقال : الانعقادُ جرى في اللبن على تساوٍ ، ولا يربو في الإناء إذا انعقد رائباً ، ولا ينقص ؛ فإنه طبيعة في نفس اللبن عقَّادة . وليس من جهة ذهاب جزءٍ وبقاء جزءٍ . فأما بيع الخاثر باللبن ، فإن كان يوزن ، فيظهر تجويزه ، وإن كان يكال ، فبيعُ اللبن الحليب بالرائب الخاثر كيلاً فيه احتمال ظاهر في المنع ، ووجهُ التجويز تشبيهُ الخاثر بالحنطة الصلبةِ العَلِكةِ ، تباع بالرخوة . وتحقيقهُ فيه أن الرائب لبن خاثر ، فكأنه لا يُعدُّ بعيداً عن اللبن الحليب ، فيشبهان الحنطة الصُّلبة والرخوة . وبيعُ المخيض بالمخيض جائز ، إذا لم يكن فيهما ماء ، ولا في أحدهما . وبيعُ السمن بالسمن جائز ، والمخيض والسمن مختلفان ؛ فيجوز بيع أحدهما بالثاني متفاضلاً . واتفق الأئمة على جواز بيع المخيض بالزُّبد ، ولا نظرَ إلى ما في الزُّبد من رغوة ، وهي إذا مِيزَتْ كانت مخيضاً ، ولكن لا مبالاة بذلك القدر ؛ فإن المقصود من الزبد السمن . 2969 - وقال الأئمة : لو باع حنطةً بشعير ، وفي الحنطة حباتُ شعيرِ ، صحَّ البيع ؛ فإنّ الشعيرَ في الحِنطةِ غيرُ مقصودٍ لمن يبتغي تَملّكَ الحنطة ، ولو باع حنطةً بحنطة وفي أحد المكيالين حبّاتُ شعير ، فالبيعُ مردودٌ عند الأصحاب ؛ من جهة أن المماثلة تزول بين الحنطتين بسبب ذلك القدر من الشعير ، والمماثلة معتبرة في بيع