عبد الملك الجويني

76

نهاية المطلب في دراية المذهب

ونقلَ الحسينُ الكرابيسي عن الشافعي أنه كان يقول : الحنطةُ ودقيقُها جنسان ؛ فيجوز بيع أحدهما بالثاني متفاضلاً ، لاختلاف الصفة ، والاسم ، والمنفعة . والدقيق مع الدقيق جنس واحدٌ . وحكى ابن مِقلاص ( 1 ) أن الشافعي جعل السويقَ مخالفاً لجنسِ ( 2 ) الحنطة ؛ لأنه يخالفها في المعنى . والدقيقُ مجانس للحنطة ؛ فإنه حنطة مفرقة الأجزاء ، والحنطة دقيق مكتنز . وعلى هذا الخبز يخالف الحنطة ، ويجب أن يخالف الدقيقَ السويقُ أيضاً . وقال العراقيون : بيع الخبز غيرِ اليابس بمثله ، أو باليابس لا يجوز ؛ لأن الرطوبة التي فيه ماءٌ ، وفي بيع اليابس بمثله خلاف . وذكروا الخلاف في بيع الدقيق بالدقيق . فهذا مجموع النصوص . ولكن اتفق أئمة المذهب على أنها لا تُعدّ من متن المذهب ، وإنما هي ترددات جرت في القديم ، وهي مرجوعٌ عنها ، والمذهب ما مهدناه قبل هذا . فصل في بيان القاعدة المترجمة بمُدّ عجوة ودرهم 2957 - وهذا ركن عظيم في مذهب الشافعي في أصل ربا الفضل ، فنقول : مذهبُنا أن من باع مُدَّ عجوةٍ ودرهماً ، بمُدَّي عجوة . فالبيع باطل ، وقد اعتمد الشافعي في هذا الأصل حديثَ القلادة ، وهو ما رُوي عن فَضالة بن عُبيدٍ قال : " أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادةٍ فيها ذهب وخرزٌ تباع ، وهي من المغانم ، فأمر رسول الله

--> ( 1 ) ابن مقلاص : عبد العزيز بن عمران بن أيوب . أبو علي الخُزاعي ، الإمام . أخذ عن الشافعي ، روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وغيرهما ت 234 ه‍ ( طبقات السبكي : 2 / 143 ) . ( 2 ) كان السبكي تقي الدين يقول عن رواية ابن مقلاص هذه : " إن الدقيق في تلك البلاد إنما يستعمل من الشعير ، وحينئذِ لا إشكال في مخالفة السويق للحنطة " حكى هذا السبكي الابن تاج الدين في طبقاته : 2 / 143 ، 144 .