عبد الملك الجويني

73

نهاية المطلب في دراية المذهب

وهذا وإن كان فقيهاً ، فالأصح الأول . فلو جفف ما نحن فيه ، وكان إذ ذاك يوزن ، وقد منَعْنا بيعَ رطبه بالرطب وزناً ، ففي جواز البيع في حالة الجفافِ خلافٌ مشهور : من أصحابنا من مَنع . وتوجيهُه أنه امتنع فيه عند هذا القائل جوازُ البيع في أكمل أحواله ، فكان ما جرى من الجفاف على ندورٍ ، تابعاً في المنع لحالة الكمال . وهذا يلاحظ ما ذكرناه من التفريع على القول القديم في مثل ذلك . ومن أصحابنا من قال : يجوز بيع البعض بالبعض في الجفافِ ؛ لجريان العُرف بالوزن ، وإذا جوزنا بيعَ الرطب بالرطب وزناً ، وضممنا إليه القولَ في حال الجفاف ، [ كان ذلك ] ( 1 ) بمثابة الرطب الذي لا يجفف اعتياداً ، فيجري في حالة الرطوبة واليبوسة الأوجه الأربعة ، التي تقدمت مشروحة . قال العراقيون : جفاف البطيخ حيث يعتاد ذلك من البلاد في حكم جفاف المشمش ، والأمر على ما ذكروه . فرع : 2954 - قال صاحب التقريب : بيع الزيتون بالزيتون جائز ؛ فإنه حالة كماله وليس له حالة جفاف ، ولكن يعتصر الزيت منه ، وليس ذلك من باب انتظار كمالٍ في الزيتون ؛ فإنه تفريق أجزائه ، وتغييره عن حاله ، كما يستخرج السمن من اللبن . والأمر على ما ذكره . ومما يتصل بتمهيد هذا الأصل ، القول في الدقيق ، وكل ما يُتَّخذ منه . فالمذهب الذي عليه التعويل أنه لا يجوز بيع الدقيق بالدّقيق مع اتحاد الجنس ؛ والسبب فيه أن كمال البُرّ في كونه بُرّاً ، والدقيق زائل عن الكمال ، وهو إلى الفساد لو لم يُستعمل ، وإذا كان كذلك ، فلو بيع الدقيق بالدقيق كيلاً أو وزناً ، ثم لاحظنا حالة كونهما بُرّين ، لم نَدْرِ هل كانا متماثلين بُراً أم لا . فكان نظرنا إلى الكمال الزائل ، بمثابة نظرِنا إلى الكمال المنتظر عند بيع الرطب بالرطب ، وكذلك نمنع بيع الحنطة بالدقيق ، كما نمنع بيع الرطب بالتمر ، وكل ما يتخذ من البُرّ من كعك ، أو خبز ، أو سويق ، فهو [ في ] ( 2 )

--> ( 1 ) في الأصل : كذلك . وفي : ( ه‍ 2 ) : وكذلك . وهذا التصرف منا رعاية للسياق . ( 2 ) مزيدة من : ( ه‍ 2 ) .