عبد الملك الجويني
66
نهاية المطلب في دراية المذهب
تحت الطُّعْم ، والأدويةُ مطعومةٌ ، وإن كانت تستعمل على نُدورٍ ، ولكنها مُعَدَّةٌ لتُطعم إذا مست الحاجةُ إليها . هذا هو الأصل ، ونذكر مسائلَ فيها تردد . قال العراقيون : الطين الأرمني مطعوم دواءً ، فهو مال ربا ، والطين الذي يأكله السفهاء لا ربا فيه ؛ فإنه لا يعدّ مأكولاً ، وأكله سفهٌ . وكان شيخي يتردد فيه ، ويميل إلى أنهُ مال ربا ، وما ذكروه في الطين الأرمني صحيحٌ ، لا خلاف فيه . وذكر العراقيون فيما صُرف عن الطُّعم اعتياداً وأصله مطعوم ، كدهن البنفسج ، والورد ، وغيرهما ، أن المنصوص أن هذه الأدهان مال ربا ، فإنها شَيْرج اكتسب روائح من الأزهار ، وانكف الناس عن أكلها ضِنّة بها . قالوا : وذكر بعض الأئمة قولاً مخرَّجاً أنها ليست مالَ رباً ؛ لأنها لا تُعدّ مطعومةً عرفاً . قال صاحب التقريب : " دهن البنفسج مال ربا ، وفي دهن الورد وجهان " . ولستُ أفهم الفرق بينهما ، ثم إذا جعلناها مال ربا فكلُّها جنسٌ واحد ؛ فإنها شَيْرج اختلفت روائحها ، لمجاورة أشياءَ مختلفة . هكذا ذكره العراقيون ، وهو الوجه . وذكر الإمام وجهين في الكتان ودهنه ، وقطع العراقيون بأن دهنَ الكتان المعد للاستصباح ليس مالَ ربا ، والظاهرُ ما قالوه ؛ فإن الكتان ودهنه إن فُرض أكلُهما على ندور ، فلا نظر إلى ما يندر ، وإنما الاعتبار بما هما معدّان له غالباً ، وهذا كالكبريت والقطران ، قد يندر من بعضٍ أكلُهما ، ولكنهما ليسا مُعدَّيْن لذلكَ . قال العراقيون : ودَكُ السَّمكِ المعَدُّ للاستصباح وتدهين السفن ليس مال ربا ، وعللوا ذلك بما قدمناه . وهذا يظهر فيه جعلُه مالَ ربا ؛ فإنه جزءٌ من السمك ، وهو مطعوم فيه ، والزعفران مأكولٌ ، والمقصود الأظهر منه الأكل تلذذاً وتداوياً . ولو فرض علينا شيء يجري فيه الطعم وغيرُه على التقارب في التساوي ؛ فالوجه القطع بأنه مال ربا ؛ فإنه ظهر كونه مطعوماً ، فكفى ذلك ، ولا يضر ظهورُ غرضٍ آخرَ فيه ، وفيما نقله العراقيون في دهن البنفسج وودك السمك المعدّ للاستصباحِ تناقضٌ ؛ فإنهم لم ينظروا إلى العادة في انصراف دهن البنفسج عن الطُعم ، واختاروا كونه مالَ ربا ، وحكَّموا النص فيه ، وقولهم في ودكِ السمكِ يخالف ذلك . وهذا غامض عليهم .