عبد الملك الجويني

55

نهاية المطلب في دراية المذهب

الوصيّة العَرْضُ على البيع ، والهِبَة قبل القبض ( 1 ) ، ولو وطئ الموصي الجاريةَ الموصَى بها ، فإن عزل عنهَا ، فلا يكون رجوعاً عن الوصيّةِ ، وإن لم يعزل وأنزل ، كان رجوعاً . والذي يدور الباب عليه أن كلَّ ابتداء لو تم ، لكان مُزيلاً ، فهو في ابتدائه يكون رجوعاً عن الوصيّة . ولو أوصى بحنطة ، ثم طحنها ، كان ذلك رُجوعاً ؛ لأنه عرَّضَها للتلف ، فجُعِل كتحقيق التلف . والوطء لم يكن في عينه رجوعاً ، وإنما الرجوع في الإنزال ؛ من حيث أشعر بقصد الاستيلاد ، وليس من الممكن أن يجري الاختيار في زمان الخيار مجرى ما يكون رجوعاً عن الوصيَّة . والدليل عليه في النفي والإثبات أن الوطء اختيارٌ في ظاهر المذهب معَ العَزل ، وليسَ رجوعاً عن الوصيةِ ، والسبب فيهِ أن الوصية لا تتضمَّن تحريماً على الموصي ، والجارية الموصَى بها مباحة على الموصي ، فإذا كان يطؤها ، فليس [ في ذلك ] ( 2 ) ما يتضمن منعَها عن الوصيةِ بعد الموتِ ، فكان الاستمرار على الوطء غيرَ مشعر بالرجوع . والبيع يتضمّنُ في وضعِه إزالةَ الملك ، وكل بائع موطَنٌ نفسَه على الانكفاف عن التي باعَها ، فإذا وطئَها أشعرَ ذلك بردّه إياها على ما كانت عليه قبل البيع . فإن قيل : أليس الظاهِرُ أن البائع إذا وطئ وله الخيار فوطؤُه مباحٌ ؟ قلنا : فيه كلام . ثم تقدير الإباحةِ فيه يخرج على قَصْدهِ الردَّ ، وأمَّا الوصيَّة ، فإنها تنشأ على استمرار الموصي على الانتفاع ما دام حياً ، فهذا فرقُ ما بين البابين . والعرض على البيع رجوعٌ عن الوصيَّة ، وفحوى كلام الأئمة القطعُ بأنه ليس اختياراً ، والسبب الفارق أن الوصيةَ ضعيفةٌ ؛ من حيث إنه لم يُوجد في حياة الموصي إلا أحَدُ شِقي العقد ، والبيع وإن كان جائزاً ، فقد تم انعقادُه بشقَّيه . وتحصيل القول

--> ( 1 ) نص عبارة الشافعي : " ولو أوصى لرجلٍ بعبدٍ ، ثم أوصى أن يباع ذلك العبد ، كان هذا دليلاً على إبطال وصيته به ، وذلك أن البيع والوصية لا يجتمعان في عبدٍ ، ولو أوصى لرجل بعبدِ ، ثم باعه ، أو كاتبه ، أو دبَّره ، أو وهبه ، كان هذا كلُّه إبطالاً للوصية " . ( الأم : 4 / 45 َ ) . ( 2 ) زيادة من المحقق ، اقتضاها السياق .