عبد الملك الجويني
500
نهاية المطلب في دراية المذهب
فمن أحرز ماء في إداوة وسقايةٍ ، فقد ملكه ، ويجوز بيعه على شط الدجلة ، بما يقع من التراضي عليه . فأما إذا حفر بئراً أو قناةً ، فاجتمع فيها ماء ، فهل يملك ذلك الماء ؟ هذا يستدعي أولاً تفصيلَ المذهب في أن الآبار كيف تملك ، وهذا مما يأتي استقصاؤه في إحياء الموات ، والقدر الذي تمس الحاجة إليه الآن أن من حفر بئراً في مواتٍ وقصد باحتفارها تملّكَها ، فإذا ظهر مقصودُه ، مَلَكَها ، ومقصودهُ ظهور الماء ، فكما ( 1 ) ظهر ، مَلَك ، ولا يتوقف الملك على أن يطويَ ( 2 ) البئر ويعمرَها . هذا ظاهرُ المذهب . وقيل : ظهور الماء يجعل حافرَ البئر كالمتحجر ، وهذا يأتي في الإحياء . ولو كان يحتفر نهراً إلى نهر عظيم كالفرات ، وقصده أخذ شيءٍ من ماء الفرات في نهرهِ ، فإذا قصد باحتفار النهر تملكها ، وانتهت فوهة النهر إلى النهر الكبير ، وجرى فيه الماء ، فهذا في ملك النهر نظير إنباط الماء في البئر . هذا إذا قصد التملك . فأما إذا قصد احتفار البئر ليستقي ماءها لا أن يتملكها . فيكون أولى بماء البئر ، فإذا تعداها وجاوزها ، فالبئر بمائها مباح . فإذا بان ذلك ، فلو لم [ يملك ] ( 3 ) البئر ، ولم يقصد تملكها ، فالماء المجتمع فيها لا يكون مملوكاً باتفاق الأصحاب . هكذا قال الشيخ . فأمّا إذا ملك البئر ، أو كان في ملكهِ الخالص بئرٌ كَدَارِه ، فالماء المجتمع في تلك البئر هل يكون ملكاً على الحقيقة لمالك البئر ؛ فعلى وجهين مشهورين : أحدهما - وهو اختيار أبي إسحاق أنه لا يملكه ، وينزل الماء الحاصِل في ملكه منزلةَ ما لو عشش طائر في ملكه ؛ فإنه لا يملكه . وقال ابن أبي هريرة : الماء ملك لصاحب البئر على
--> ( 1 ) فكما : أي عندما . ( 2 ) طوى البئر : بناها بالحجارة ونحوها ، أو عَرَشَها . ( معجم ) . ( 3 ) ساقطة من الأصل .