عبد الملك الجويني

487

نهاية المطلب في دراية المذهب

والقول الثاني - أن إقراره مقبول ؛ فإن التهمة منتفية ، ونفس العقوبة تبطل المالية ، ولكن قُبل الإقرارُ بها لانتفاء التهمة . وهذا المعنى متحقق فيما ذكرناه . ولا استقلال للسرقة دون مال مسروق ، ويستحيل ألا يثبت القول في المسروق ويثبت في السرقة المطلقة . هذا إذا أقر بإتلاف المسروق ، وتضمن إقراره تعلّقَ مبلغٍ برقبته . فأما إذا أضاف سرقته إلى عينٍ قائمة ، نظر : فإن كانت العين التي اعترف بسرقتها في يد مولاه ، فإقراره مردود فيها . اتفق الأصحاب عليه ؛ والسبب فيه أن ما نصادفه في يد السيد مُقرٌّ على حكم ملكه ، فيبعد الحكم على ملكه بإقرار العبد ، ولو ( 1 ) قدّرنا قبول هذا الإقرار أَوْشَك أن يستغرق العبد جميع ذخائر سيده ، وهذا الآن تظهرُ التهمةُ فيه ؛ فإن العبد الحنِق على سيده ، قد يستهين بقطع يده ، في مقابلة تخسير السيد أموالاً لا تنضبط ، وليس هذا كما لو ادّعى تلف المسروق ؛ فإن غاية ما يتعلّق بالسيد قدرُ قيمةِ الرقبة ؛ فإن أروش الإتلافات لا تعدو الرقبة إلى سائر أموال السيد . ولو أقر العبد بسرقة مال في يد أجنبي ، فإقراره مردودٌ في حق ذلك الأجنبي ، إذا أضاف إقراره إلى عينٍ قائمة في يده ، فإذا رُدّ في حق الأجنبي ، فليرد في حق السيد . وقيل : إنّ أبا حنيفة ( 2 ) نَفَّذَ إقراره في الأعيان القائمة في يد السيد . وهذا خبالٌ عظيم . ولو أقر العبد بسرقة عين وكانت العين في يد العبد ، اختلف أصحابنا فيه على طريقين : فمنهم من خرّج قبولَ إقراره فيها على القولين ، ومنهم من قطع القولَ بردِّ إقراره في العين الكائنة في يده . وهذا هو الظاهر ؛ من جهة أن يده يدُ السيد ، ولا استقلال له . ثم ما يتصوّر احتواء يده عليه في محل الإقرار لا ينضبط ، كما تقدم وليس كالإقرار بالإتلاف ؛ فإن غائلته تنحصر في مقدار قيمة الرقبة ، كما تقدم . وبنى بعضُ الفقهاء القولين في قبول إقراره بالمال عند ذكر الإتلاف على قولين في الحر لو أقر بسرقة مال ، وقُبل إقراره .

--> ( 1 ) في ( ص ) ، ( ت 2 ) : وقدرنا . ( 2 ) ر . الهداية مع تكملة فتح القدير : 8 / 228 .