عبد الملك الجويني

452

نهاية المطلب في دراية المذهب

أصحابنا فيه ، فمنهم من منع الإقراض لأدائه إلى مقابلة الخبز بالخبز . ومنهم من جوز للحاجةِ الماسة ، كما يجوز مقابلة الدراهم بالدراهم من غير تقابضٍ . وإلى هذا مال القاضي . وقد نجز الكلامُ في أصول القرض . 3384 - وحان أن نُفَصِّل القرضَ الذي يجر منفعة ، فنقول : صح أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن قرضٍ جرَّ منفعة " ( 1 ) واتفق المسلمون على منع ذلك على الجملة ، وإن كان مِنْ تردُّدٍ ، ففي التفصيل . والمعنى المعتبر أن القرض معروفٌ أثبته الشارع لمسيس الحاجة . واستثناه عن تعبداتِ البياعاتِ ، وإنما يتحقق معروفاً إذا لم يقصد المقرض جرَّ منفعة . فإذا أقرض رجُل رجلاً دراهمَ مكسّرة وشرط أن يردها صحيحةً ، فالقرض فاسد . ومن هذه الجملة السفاتج ( 2 ) ، فإذا جرت مشروطة ، فأقرض رجل رجلاً مالاً ببلدةٍ ، وشرط أن يرده ببلدة أخرى ، فهذا الشرط يفسد القرض ؛ فإن المقرض يبغي به درْءَ خطر السفر عن ماله . وهو منفعة ظاهرة . فإن قيل : أتجوزون القرض على شرط الرهن والكفيل ؟ قلنا : هو جائز ، لا خلاف فيه ، وليس هو من القرض الذي يجر منفعة ؛ فإن الرهن لا منفعة فيه إلا التوثيق . وكذلك الكفيل ، وليس في استيثاقِ المقرض بالرهن جلبُ منفعة زائدة ؛ فإنه كان بملكه أوثقَ منه بالرهن الآن . ولو قال : أقرضتك هذه الدراهمَ الصحاح على أن تردها مكسّرة ، فهذا حط من مقدار الحق ، وليس جلبَ منفعة ، ثم تفصيله أنه إن لم يكن هذا القرض ( 3 ) في معرِض

--> ( 1 ) حديث : " نهى عن قرضٍ جرَّ منفعة " . لم يصح مرفوعاً ، لكنه صح عن ابن عباس موقوفاً ، وهو مروي بهذا اللفظ عن علي كما روي موقوفاً على ابن مسعود ، وأبي ، وعبد الله بن سلام . ( ر . معرفة السنن والآثار : 4 / 391 ، والكبرى للبيهقي : 5 / 349 ، 350 ، وتلخيص الحبير : ( 3 / 79 ، 80 ح 1235 ، والإرواء : ح 1397 ) . ( 2 ) السفاتج : جمع سفتجة ، قيل بضم السين ، وقيل بفتحها ، وأما التاء فمفتوحة ، فارسي معرب ( المصباح ) . ( 3 ) كذا في النسخ الأربع . ولعلها : " اللفظ " ( مكان القرض ) .