عبد الملك الجويني

444

نهاية المطلب في دراية المذهب

فالقرض في نفسه متفق عليه . وليس عقداً تاماً على قياس المعاوضات ؛ فإنه لو كان مردوداً إلى قياسها ، لما صح اقتراضُ مالٍ من أموال الربا لشَرْطِ التقابض في بيع بعضه بالبعض . ومعلوم أن من أقرض إنساناً دراهمَ فإنما يبذلُها ليأخذ منه مثلَها ، وهذا على القطع مقابلةُ عوض بعوض . وقياسُ هذا يقتضي التقابضَ في مجلس العقد ؛ فإن كل عوضين جمعتهما علةٌ واحدة في تحريم ربا الفضل إذا اشتمل العقد عليهما ، وجب التقابُض فيهما . فليس القرضُ إذاً على قياس العقود ، وليس خالياً عن [ تقابل ] ( 1 ) العوضين مقصوداً . وامتنع الشافعي من إثبات الأجل في القرض ؛ من قِبَل أن الأجل إنما يثبت في حقائق العقود المشتملةِ على حقيقة المعاوضة . فإذا لم يكن القرض كذلك ، لم يكن في إثبات الأجل معنى ، ووافق أبو حنيفةَ على هذا . وكان القرض معروفٌ أثبته الشارع رخصةً مستثنى من قياس المعاوضات ، وما فيها من التعبدات ؛ فإن القرض لو روعي فيه التقابض ، لم يكن فيه معنى . وغرض الشارع بإثبات القرض استثناؤه عن تصنيفات المبيع ، وإيصال المقترض إلى القرض من غير أن يُنجز له عوضاً . وهذا لا خفاء به . 3375 - وينشأ من هذا الأصل خلافٌ عظيمُ الوقع مع مالك ( 2 ) ، فإنه قال : ليس للمُقرض أن يسترد ما أقرضه على الفور ، حتى يقضي المقترضُ وطراً ، أو يمضي زمانٌ يسع ذلك . وزعم أنا لو ملكنا المقرضَ استرجاع القرض في الحال ، لم يكن للقرض فائدةٌ . وبنى هذا على إثبات الأجل ، ولزوم الوفاء به إذا ذُكر ، وحمل [ هذا ] ( 3 ) على موافقة مقصودِ القرض . وهذا الذي ذكره فيه تخييل إذا نظر الناظر إلى مقصود القرض . ولكن لا وجه لما

--> ( 1 ) في الأصل ، ( ت 2 ) : تقابض . ( 2 ) ر . جواهر الإكليل : 2 / 76 ، منح الجليل لعليش : 3 / 51 . ( 3 ) ساقطة من الأصل .