عبد الملك الجويني

439

نهاية المطلب في دراية المذهب

باب لا يبيع حَاضِرٌ لبَادٍ 3369 - ذكر الشافعي رحمة الله عليه في صدر الباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبيع حاضر لبادٍ " ( 1 ) . والحديث وارد في القرويّ أو البدوي يدخل البلد بسلَعٍ وأمتعة ، وهو يبغي بيعَها بسعر اليوم خائفاً أن تعظم المؤنةُ عليه لو أقام . فإذا تقدم إليه حضريٌّ والتمس منه أن يترك أمتعته عنده حتى يبيعها على مر الزمن ، وقد يتضيق بهذا السبب الأمرُ على أهل البلد . فهذا منهي عنه . وإن كان البدوي عازماً على الإقامة والتربص بالأمتعة وبيعها على مر الأوقاتِ ، فإذا أعانه حضريٌّ على عزمه ، والتمس منه أن يفوّض الأمرَ إليه ، لم يلحقه بذاك حَرجٌ ، وكان ما جاء به من باب التعاون . وكذلك إذا طلب البدوي ذلك ابتداء من الحضري ، فأسعفه ، فلا بأس ولا حرج . وكل ما ذكرناه إذا كان يظهر بسبب التربص ضيقٌ على المسلمين . فإن لم يكن كذلك والأسعار رخيصة ، وأمثال تلك السلعةِ موجودة ، وكان لا يظهر بالتربص بها أثر محسوس ، فهل يَحرَج من يحمل البدويَّ على التربص ؟ فعلى وجهين : أحدهما - أنه يحرَج بمطلق النهي . والثاني - لا يحرَج ؛ لأنَّ معنى الضرار مقصود من النهي ، فإذا لم يكن ، فلا بأس . ثم إذا باع حاضر لبادٍ ، فلا شك في انعقاد العقد ؛ فإن النهي ليس يتمكن من مقصود البيع .

--> ( 1 ) حديث : " لا يبيع حاضر لبادِ " . متفق عليه من حديث ابن عباس . ( اللؤلؤ والمرجان : ح 973 ) .