عبد الملك الجويني
399
نهاية المطلب في دراية المذهب
ظهر اختلاف الأصحاب في أن البيع إذا اشتمل على شرط خيار ثلاثة أيامٍ ، فابتداء زمان الخيار يحسب من وقت العقد ، أو من وقت التفرق ؟ فيه وجهان ذكرناهما : أقيسهما - أنه من وقتِ العقد ؛ فإن وقت التفرق مجهول ، والمجلس قد يقصر وقد يطول ، وإثبات المجهول لا يليق بعقد البيع . هذا هو القياس . والوجه الثاني - أن ابتداء المدة محسوبٌ من وقت التفرق ، وعليه يدلّ نص الشافعي ، وقد ذكرنا توجيهَ هذا الوجه في موضعهِ . والغرضُ من إعادته ما ذكرنا من ميل النصّ إليه . وإذا كان كذلك ، فيتعين الاعتناءُ بالجواب عما ذكره صاحبُ الوجهِ الآخر من الجهالةِ ، فنقول : لا جهالةَ في الخيارِ المشروط ، وإنما الجهالةُ في أمدِ المجلس ، وذلك محتمل بلا خلافٍ . والذي ذكره ناصرُ ذلك الوجهِ لا يفضي إلى جهالةٍ في الخيار المشروط ، فإن جُهِلَ مبتدؤه ، فهو بمثابة الجهل بمبتدأ لزوم الملك . وهذا بالِغٌ في دفع فصل الجهالةِ . والذي يتوجَّه به النصُّ أن شرط الخيار يشعر بتخير مشروطٍ ، لولا الشرطُ ، لثبت نقيضُه . ولو أثبتنا خيار الشرط من ابتداء العقد ، لما كان في الشرط معنى ، والخيارُ ثابتٌ لحق المجلس ، والأجلُ المطلق في العقد خارج على الخلاف أيضاً . ولكن الإمام ( 1 ) كان يرتّبه على خيار الشرط ، ويقول : إن حكمنا بأن ابتداءَ الخيارِ محسوبٌ من وقتِ العقد ، فالأجل ( 2 ) بذلك أولى . وإن قلنا : ابتداءُ خيار الشرط من وقت التفرق ، ففي الأجل وجهان . والفرق أن الخيارَ يجانس الخيارَ ، فيبعد اجتماعهما . والأجل يخالف الخيارَ في مقصوده ووضعه ، فلم يبعد أن يثبت في وقت ثبوت الخيار . فإن قيل : هذا الفرق واضح جداً ، فما وجه قول من يقول : الأجلُ يحسب ابتداؤه من وقت التفرق ؟ قلنا : وجهه أن المقصود من الأجل تأخير الطلِبة بالثمن ، وهذا المقصود يحصل بالخيار ؛ فإن البائع لا يملك الطَّلِبةَ بالثمن في زمان الخيار ، فالأجل
--> ( 1 ) الإمام يعني به والده أبا محمد . ( 2 ) في الأصل : والأجل .