عبد الملك الجويني
138
نهاية المطلب في دراية المذهب
الغرضَ ألاّ يحدثَ عيبٌ ، وهذا لا يستدعي إثباتَ ملك . والوجه الثاني - أن المتروكَ عليه يملك ما أُجبر على قبوله . وهذا هو الذي يسدّ مسدَّ حقِّه الساقط بسبب الترك ، فالحقوق لا تقابل إلا بأعواضٍ مملوكةٍ . فإن قُلنا : يثبت الملكُ في المتروك ، فأثرهُ ظاهر ، ويتصرّفُ المتروك عليه في المتروكِ ، تصرف المُلاك ، ولا يرجع التارك إليه قط . وإن حكمنا بأن المتروك عليهِ لا يَملك المتروكَ ، فلا خلافَ أن البائع ( 1 ) يلزمه الوفاءُ بالترك ، حتى لو قال بعد الترك : أقلع ، وأقنع بأن يُرَدّ عليَّ المبيع ، فلا يبالَى به . نعم لو جرت حالةٌ يزول فيها المعنى المقتضي للتركِ ، فتلك الأعيان مردودة إذ ذاك على المالكِ التاركِ ، كما أن [ النَّعلَ ] ( 2 ) لو استحق يزالُ ، وإن سقَط ، رجع فيهِ الراد ، وكذا القول في الأحجار . ولو انقلع الغِراس أو قلعه المشتري قصداً ، وزال ما كنا نُحاذره من الضرار ، فيعود حق التاركِ . 3024 - وتمام البيان في ذلك أن هبة الأحجار إن كانت ممكنةً على الصحة ، فوهب البائع الأحجار ، وقبلَ الهبةَ المشتري ، واستجمعت الهبةُ شرطَ الصحة ، فالوجهُ القطع بحصولِ الملك ، والمنعُ [ من الرجوع ] ( 3 ) في الهبة التي لا رجوعَ في مثلِها ، فأما إذا كانت الأحجار لا تصح هبتُها على قولٍ ، وقد جرت الهبة كما وصفناها ، فمِن أصحابنا من صححها للضرورة ، وتحصيلِ استبقاء العقد ، ومنهم من لم يُصحّحها . ولو لم تجرِ هبةٌ على شرطها في الإيجاب والقبُول ، ولكن قال : تركتُ الأحجارَ ، فمن أصحابنا من قال : لا حكم لهذا القول ، وإليه صَغْوُ الصيدلاني في كتابه . ومن أصحابنا من قال : هذا القول كافٍ ، ويجب على البائعِ المتلفظِ به الوفاءُ بموجَبه ، وقد ذكر ذلك طوائفُ من أئمتنا .
--> ( 1 ) الكلام هنا في مسألة الأرض ، وليس في مسألة النعل . فإن التارك في مسألة الأرض هو البائع ، وفي مسألة النعل هو المشتري . ( 2 ) في الأصل : الفعل . ( 3 ) مزيدة من ( ه 2 ) .