عبد الملك الجويني

108

نهاية المطلب في دراية المذهب

وطرد بعض الأصحاب القولينِ في بيع لحم الشاة بالعبد من جهة أنه بيع اللحم بالحيوان . 2988 - والذي يجب التنبه له في مضمون هذا الباب ، وأمثالِه أن من الأصول ما يستند إلى الخبر ، أو إلى ظاهر القرآن ، ولكن القياس يتطرق إليه من أصول الشريعة ، فلا يمتنع التصرف في ظاهر القرآن والسنة ، بالأقيسة الجليّة إذا كان التأويل منساغاً ، لا ينبو نظر المصنف ( 1 ) عنه ، والشرط في ذلك أن يكون صَدَرُ ( 2 ) القياس من غير الأصل الذي فيه ورُود الظاهر ، فإن لم يتَّجه قياس من غير مورد الظاهر ، لم يجز إزالةُ الظاهر بمعنىً يُستنبط منه ، يَضمنُ تخصيصَه ، وقصْرَه على بعض المسمَّياتِ ، وقد ذكرت هذا على الاستقصاء في كتاب ( الأساليب ) ، وألحقت فيما مهَّدتُه في ذلك الردَّ على القائلين بالأبدال في الزكوات . هذا فيما يتطرق إليه المعنى . فأما ما لا يتطرق إليه معنى مستمرٌ صابرٌ على السَّبْر ، فالأصل فيه التعلّقُ بالظاهر ، وتنزيلُه منزلةَ النصِّ . ولكن قد يلوح مع هذا مقصودُ الشارع بجهةٍ من الجهات فيتعيّن النظرُ إليه ، وهذا له أمثلة : منها أن الله تعالى ذكر الملامسة في قوله ( أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ) [ النساء : 43 ] وحملها الشافعي على الجسّ باليد ، ثم تردّد نصُّه في لمس المحارم ؛ من جهة أن التعليلَ لا جريان له في الأحداث الناقضةِ ، وما لا يجري القياس في إثباته ، فلا يكاد يجري في نفيه ، فمال الشافعي في ذلك إلى اتباع اسم النساء ، وأصح قوليه أن الطهارة لا تنتقض بمسهنَّ ؛ لأن ذكْر الملامسة المضافة إلى النساء ، مع سياق الأحداث ، يُشعر بلمس اللواتي يُقصدن باللَّمسِ ، فإن لم يتَّجه معنى صحيح ، دلَّت القرينةُ على التخصيص . ومن هذا القبيل قوله صلى الله عليه وسلم : " ليس للقاتل من الميراث شيء " ( 3 )

--> ( 1 ) كذا في النسختين ، ولعلها : المنصف . ( 2 ) " صَدَرُ " : أي صدور . ( 3 ) حديث ليس للقاتل ميراث : أخرجه النسائي : كتاب الفرائض ، باب توريث القاتل ، ح 6368 ، ورواه ابن ماجة ، ومالك في الموطأ ، والشافعي ، وعبد الرزاق ، والبيهقي ، كلهم =