عبد الملك الجويني

532

نهاية المطلب في دراية المذهب

فإن كان النقصان من غير انحطاط السوق ، فهو محمولٌ على التضييع ، ولكن التبس الأمر ، فلزمه الضمان ، وإن انحط السوق ، فعليه جبر ذلك النقصان . وهذا فيه فضل نظر ؛ [ فإنا ] ( 1 ) إذا بعنا الجاريتين ، وقسمنا قيمتهما ، فالقراض لا يرتفع ، ولو أراد المقارَض أن يتمادى على التصرف ، جاز ذلك ، ما لم يفسخ القراض . ثم إذا فرضنا خسراناً عن انحطاط السوق ، فإطلاقُنا القولَ بأنه يجب جبره ، معناه أنه يُجبر بالربح ، الذي سيكون ، وهذا لا يجب ؛ فإن المقارَض لو أراد الانكفاف عن العملِ [ والاسترباحِ ] ( 2 ) ، كان له ذلك ، والخسران في القراض لا يجبر إلا بالربح المستقبل . فإذا كان لا يجب الاسترباح ، فكيف يجب جبرانُ الخسران ؟ والوجه في ذلك أن قيمة الجاريتين إن انحطت على نسبة واحدة من غير تفاوت ، وكانت القيمتان متساويتين ، فإيجاب جبران الخسران بعيدٌ هاهنا . وإن انحطت قيمةُ واحدةٍ دون الأخرى ، والتفريع على أنهما تباعان ، فلا يمتنع وجوب الجبران هاهنا ؛ فإن كل واحد من المالكين يقول : لعل الجارية التي لم تنقص هي لي ، فيصير العامل جانياً جنايةً تقتضي الغرمَ بسبب النسيان . ثم هذا الجبران إن وجب ، فهو من مال هذا العامل ، لا من الربح الذي سيكون . فهذا منتهى النظر في التفريع على هذا القول . 4962 - وإن فرعنا على القول الثاني ، فالجاريتان تنقلبان إلى ملك العامل إذا تحقق اللّبس ، ثم اختلف جواب الأئمة ، فقال بعضهم : يغرَم المقارَض لهما أموالَهما ، ولا نظر إلى قيمة الجاريتين . وإليه إشارة العراقيين ، وهذا يلحق بانقلاب البيع إلى الوكيل ، وتنفيذه عليه . وقد مضى لذلك أمثلةٌ في كتاب الوكالة . وذهب طوائف من المحققين إلى أنه يغرَم قيمة الجاريتين ويقسطها عليهما بالسَّويّة ، وهذا إذا لم تنقص القيمتان عن مالَيْهما ، وإن زادت القيمتان التزمهما وجُعل بالنسيان كأنه أتلف الجاريتين . وإن كانت القيمتان أقلَّ ، فلا بد من جبر

--> ( 1 ) في الأصل : فأما . ( 2 ) في الأصل : بالاسترباح .