عبد الملك الجويني
498
نهاية المطلب في دراية المذهب
ربح على ملكه الصحيح . وهذا هو القياس الذي لا يخفى مُدركه . ونصَّ الشافعي في القديم على أن الغاصب إذا تصرف في الدراهم المغصوبة ، واتفقت أرباحٌ بسبب تصرفه ، فإنه ( 1 ) يُجيز تلك التصرفات ، ويفوز بالأرباح ، واعتمد في ذلك مصلحة كلّية ؛ من جهة أن تتبُّعَ التصرفات الكثيرة في الأمتعة التي تداولتها الأيدي ، وتشتتت في البلاد عَسِرٌ ، وقد لا يُوصَل إليه ، هذا وجه ( 2 ) . والآخر ( 3 ) : أنَّا لو لم نجوّز هذا ، فقد يتّخذ الغضابُ ذلك ذريعةً إلى تحصيل الأرباح ؛ فإن الشراء في الذمة ، ونقْد الثمن من الدراهم المغصوبة متيسّرٌ لا عسر فيه . 4922 - وهذا القول ينتشر تفريعه ، ونحن نبذل المجهودَ في الجمع ، فنقول أولاً : التصرف الذي أورده الغاصب على الذمة يُجيزه المالك إذا كان النقد من دراهمه ، ويتوصّلُ إلى الأرباح ؛ فإن المعتمد في هذا القول اتّخاذُ الدراهم المغصوبة ذريعةً إلى تحصيل الأرباح ( 4 ) ، وهذا ينطبق على إيقاع الشراء في الذمة قصداً ، مع بناء الأمر على أداء الثمن من الدراهم المغصوبة ، فقد اتّفق الأصحاب على جريان الإجازة في عقود الذمة على هذا القول ، كما قالوا بجريانها لو أورد الغاصب التصرف على الأعيان المغصوبة . وهذا في عقود الذمة على نهاية الإشكال ؛ فإن عقد الذمة - إذا لم يصدر عن إذنٍ - منصرفٌ إلى العاقد ، ويعظم تفريع الأصول الفاسدة الحائدة عن النسق . واختصاص مذهب الشافعي بإمكان التفريع سببُه التزامه الجريانَ على الأصول ، فإذا فرض حَيْدٌ اضطرب تفريع المذهب ، ولم يحتمل مذهب الشافعي ما يحتمله غيره من المسالك المبنية على الميل عن الأصول . 4923 - ثم يعترض الآن أمور نرسلها : منها أن معظم أقوال الأصحاب مصرَّحةٌ بأن المالك بالخيار في الإجازة . ومضمونُ هذا أنه إن لم يُجز العقودَ ، لم تجز ، وانقلب
--> ( 1 ) فإنه : الضمير يعود على المالك ، أي أن المالك يُجيز تلك التصرفات ، ويأخذ الأرباح المترتبة عليها . ( 2 ) هذا وجه : أي من وجوه ترجيح هذا القول القديم . ( 3 ) أي الوجه الآخر من وجوه الترجيح ، فليس المراد ما يتبادر من أن الوجه ( الآخر ) قسيم للوجه الأول ، وعلى عكسه . ( 4 ) أفاض الرافعي في الشرح الكبير في هذه المسألة : 12 / 42 - 48 ( بهامش المجموع ) .