عبد الملك الجويني
460
نهاية المطلب في دراية المذهب
فصل قال : " وإذا سافر كان له أن يكتري من المال مَنْ يكفيه بعضَ المؤنة . . . إلى آخره " ( 1 ) . 4875 - إذا كان القراض مطلقاً ولم يجرِ من المالك إذنٌ في المسافرة ، لم يكن للعامل المسافرةُ بمال القراض ، اتفق الأصحاب عليه ، وإن كانت التجارة قد تقتضي السفر إذا كسدت البضائع في موضع المعاملة ؛ لأن الأسفار مظِنة الأخطار ، فلا ينبغي أن يهجم عليها من يتصرف بالإذن ، فالمقارض في هذا كالمودَع ، فإن سافر دون الإذن ، دخل المالُ في ضمانه ، والعقد قائمٌ لا ينقطع ، فلو سلمت البضائع ، فباعها في بلدةٍ أخرى ، لم يمتنع نفوذ البيع وإن لم يتفق في مكان ( 2 ) المعاملة . فإن قيل : إن تقيدت المعاملة بمكانها ، فليتقيد جوازُ البيع بالمكان . قلنا : الإذن عام ، لا ينكر عمومه ، ولولا أخطار الأسفار ، لما منعنا منها ، والبيع لا خطر فيه . ثم قال العلماء : إن باع المال بمثل ثمن البلد الذي جرت المعاملة فيه أو أكثر ، فجائزٌ ، وإن باعه بأقلّ من ذلك الثمن ، وظهرِ النقصان ، وبلغ مبلغاً لا يتغابن الناس بمثله ، كان هذا كما لو باع في مكان المعاملة بغبْنٍ . ثم إذا صححنا البيعَ منه ، وقد تعدى بالسفر ، فالثمن الذي يقتضيه من ضمانه أيضاً ، كالأصل . ولو وكل وكيلاً في بيع ماله ، فتعدّى فيه ، دخل في ضمانه ، فلو باعه ، لم يكن الثمن من ضمانه ؛ لأن عدوانه اختص بما تعدى فيه ، ولم يوجد منه تعدٍّ في الثمن . وسبب عدوان العامل في مسألتنا المسافرةُ ، وهي حاصلة في الثمن حصولَها في الأصل . فإن قيل : هذا يستقيم لو سافر بالثمن ، وزايل مكانه ، فأما إذا تلف الثمنُ في البلدة التي اتفق البيع بها بآفة سماوية ، لا تعد من أخطار الأسفار ، فما رأيكم فيها ؟
--> ( 1 ) ر . المختصر : 3 / 62 . ( 2 ) أي : وإن لم يتم في مكان العقد .