عبد الملك الجويني
439
نهاية المطلب في دراية المذهب
هذا كثير تعلق عندنا ، ولا يجوز أن يكون للإجماع مستندٌ يحتاج الناظر إلى الغوص عليه ، وتدقيق النظر في دَرْكه إلى هذا الحد ، ولا بدّ وأن يكون للإجماع صَدَرٌ عن أصلٍ ، ويبعد في مطّرد العرف خفاؤه ، فلا وجه فيه إلا القطعُ بأنهم ألفوا هذه المعاملة في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شائعةً بين [ المتعاملين ] ( 1 ) وتحققوا التقرير عليها شرعاً ، وكان شيوع ذلك في الخلق أظهرَ من أن يُحتاج فيه إلى نقل أقاصيص ، فكان الإجماع عن مثل هذا . واستقصاءُ ذلك في الأصول . 4848 - ثم تكلّم الفقهاءُ على القصة التي جرت ، وتنزيلها على وجهها ، فمنهم من قال : استقرضا المائة ألف استقراضاً صحيحاً ، وللوالي أن يُقرض مالَ بيت المال إذا رأى المصلحةَ فيه ، فكان الربح بكماله لهما غيرَ أن عمر استطاب أنفسَهما عن بعض الربح ، فلم يخالفاه ، وكان هذا بمثابة استطابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفسَ الغانمين عن سبايا هوازن لما أراد ردَّها عليهم ، بعد قسمتها ، وجريانِ ملك الغانمين فيها . وقال بعض العلماء : ما جرى كان قراضاً فاسداً ؛ فإن أبا موسى شرط عليهما ردَّ المال بالمدينة ، فكان قرضاً جر منفعةً ، وقد ذكرنا فسادَ السفاتج ( 2 ) في مثل ذلك . ثم يجوز أن يقال : كانا اشتريا الأمتعة في الذمة ، فوقع الملك فيها لهما ، والربح على الأمتعة ، غيرَ أنهما لما ارتفقا بمالِ بيت المال في تأدية أثمان الأمتعة رأى عمر رضي الله عنه استطابة أنفسهما عن بعض الربح . وقيل : كان ما جرى قراضاً فاسداً بين أبي موسى وبينهما ؛ فإنه شرط عليهما وراء التصرف النقلَ إلى المدينة ، وسنذكر فسادَ القراض بمثل هذا ، فكان الربح بكماله لبيت المال ، ولكن رأى عمر نصف الربح موازياً لأُجور أمثالهما . فهذا ما أردناه في رسم القراض ، وتأصيله ، ومستندِ الإجماع فيه ، ونحن نذكر
--> ( 1 ) في الأصل : المتبايعين ، والمثبت من : ( ي ) ، ( ه 3 ) . ( 2 ) السفاتج جمع سُفتَجة قل بضم السين ، وقيل بفتحها ، أما التاء فمفتوحة ، والسفتجة : أن يعطي آخرَ مالاً ، وللآخر مال في بلد المعطي ، فيوفيه إياه هناك ، فيستفيد أمن الطريق . وهو فارسي معرب ( المعجم والمصباح ) .