عبد الملك الجويني

374

نهاية المطلب في دراية المذهب

والذي نراه أن كلَّ قسمة تولاها الشريك ، أو وكيلٌ من جهته ، وبناها على عدم العلم بالشفعة ، فتلك القسمة صحيحة ، وعدم علم المالك بثبوت حقٍّ له لا يتضمن ردَّ تصرفٍ أنشأه على اختيارٍ ، وهو نافذ التصرف ، والإشكالُ في ثبوت الشفعة مع صحة المقاسمة ، فإن المقاسمة قاطعةٌ لعلة الشفعة ، وكل ما قطع مقتضى الشفعة قبل التملك بها يقطعها ، ولهذا كانت الشفعة عرضةَ السقوط على قول الفور بتأخير لحظة . ومعتمد الأصحاب في الشفعة مختلَفٌ فيه ، فمنهم من اعتبر مؤنةَ المقاسمة وإفرازَ المرافق ، وقد انفصل الأمر بوقوع القسمة ، ومنهم من اعتبر المداخلة والتضييق ، وقد زال هذا المعنى بصحة القسمة . وإذا كانت الشفعة تسقط بالرضا بالضرر ، فتسقط بانقطاع الضرر . 4770 - والذي نحققه أن الشفيع يأخذ ملكاً مجاوراً أو شائعاً ، فإن كان يأخذ ملكاً مجاوراً ، فهذا بعيد عن مذهب الشافعي ، وإن كان يأخذ ملكاً مشاعاً ، فلا قسمة إذاً ، والبناء تبين وقوعُه في مشاع ، فيجب منه سقوطُ حرمته ، وليس كالمستعير ؛ فإنه يغرس بإذن المالك على بصيرةٍ ، وهاهنا لم يجر إذنٌ في البناء ، وإنما جرت مقاسمة ، فإن صحت ، فلاَ شفعةَ بعدهَا ، وإن بطلت ، لم تقتض جوازَ البناء . وأقصى الإمكان في ذلك أن نجعل جريان القسمة مع الحكم بالصحة ، بمثابة زوال ملك الشفيع عن الشرك القديم ، وهو غير عالم بثبوت الشفعة ، وقد ذكرنا قولين في ذلك ، ولعلنا نعود إليهما من بعدُ ، والجملة في ذلك أن الشفعة عمادُها ملكُ الشفيع ، والشيوعُ ، ثم في بقاء الشفعة مع زوال الملك قولان ، فيجب إجراء القولين في زوال الشركة . وهذا بمثابة اختلاف القول في أن الأمَة إذا عتقت تحت زوجها العبد ، ثم لم تشعر حتى عَتَق الزوجُ ، ففي بقاء خيارها قولان . ويلتحق بهذا الفن زوال العيب القديم في يد المشتري ، قبل بطلان حقه من الرد . ولو قلنا : القياس في هذه الأصول تغير الأحكام بهذه الطوارىء ، لم يكن قولنا هذا