عبد الملك الجويني
355
نهاية المطلب في دراية المذهب
القولين والتفصيل المقدم . فمن أصحابنا من قطع بأن الشفعة مفضوضةٌ على نسب الحصص ، ولم نر هذا من صور القولين ، ومنهم من أجرى القولين . وحقيقةُ هذا الاختلاف تستند إلى حقيقة الفصل . وقد اختلف الأئمة في أن الورثة يأخذون الشفعة لأنفسهم في الحقيقة ، أم يأخذونها للموروث ، ثم يخلفونه ؟ وفي ذلك وجهان : فإن قلنا : إنهم يأخذونها لأنفسهم ، جرى القولان في كيفية التقسيط . وإن قلنا : إنهم يأخذونها للميت تقديراً ، ثم ينتقل المأخوذ إليهم إرثاً ، فليس إلا القطع باعتبار الحصص . 4749 - وممَّا نفرعه في هذا المنتهى أن واحداً من الورثة إذا عفا عن الشفعة ، فكيف يجري هذا التفريع ؟ وهذا يستدعي رَمْزاً إلى أصلٍ سيأتي استقصاؤه ، إن شاء الله . وهو أن من انفرد باستحقاق الشفعة إذا عفا عن بعض الشفعة ، ففيه أوجه : أحدها - أنه يبطل جميع حقه بالعفو عن البعض ، كما لو عفا مستحق القصاص عن بعض حقه في القصاص ؛ فإنه يسقط جميعُ القصاص ، ولا يتصور بقاء شيء منه . والثاني - لا يسقط بالعفو عن البعض شيء ويلغو العفوُ . والثالث - أنه يسقط ما أسقط ، ويَبقى ما أبقى . وسيأتي ذلك على الاستقصاء ، إن شاء الله تعالى . فإذا عفا واحد من الورثة ، نفرِع ذلك على الوجهين في أن الورثة يأخذون الشفعة لأنفسهم أم يأخذونها للميت ؟ فإن قلنا : إنّهم يأخذون للميت ، فإذا عفا واحدٌ منهم ، سقط حق الباقين ، ونزل منزلة ما لو عفا عن بعض حقه في حياته ، ولو فعل ذلك ، بطل حقه في الجميع ، في ظاهر المذهب . وفيه خلاف ، سنذكره في الفصل الذي يلي هذا الفصل . وإن قلنا : إنّ الورثة يأخذون الشفعة ، لأنفسهم ، فإذا عفا واحد منهم ، أخذ الباقون الشقصَ بكماله ، وسقط حق العافي على ظاهر المذهب . وسنصف هذا بعد ذلك ، إن شاء الله تعالى . وغرضنا الآن أن نلحق عفوَ بعض الورثةِ في وجهٍ ، بعفو الشفيع الواحد عن بعض