عبد الملك الجويني

324

نهاية المطلب في دراية المذهب

وذكر شيخي في هذه قولاً اختاره ، وربما كان لا يذكر غيره : أن الإشهاد مستحب ، فلو ترك الإشهاد ، لم يُقضَ ببطلان حقه ، فلتكن هذه الصورة مقدّمة في المرتبة . ويليها ما لو ابتدر الشفيع التوجهَ إلى صوب المشتري . فلو لم يُشهد ، واكتفى بالبدار في نحو المشتري ، ففي وجوب الإشهاد قولان نقلهما العراقيون : أحدهما - أنه يتعين ، وتركُه يبطل الحق . والثاني - لا يتعين ، ويكفي البدار في نحو الطلب . وإذا ثبت خلافٌ في الصورة الأولى ، فهذه الصورة تترتب عليها والأخيرةُ أولى بألا يستحق الإشهاد فيها ، ووجه الترتيب [ لائح ] ( 1 ) . ولو كان الشفيع حاضراً مع المشتري ، ولكن أقعده مرض ، أو منعه عن الظهور للطلبِ خوفٌ واستشعار ( 2 ) ، فوجوب الإشهاد على الطلب في هذه الصُّورة يضاهي الإشهادَ في السفر ، إذا استأخر الخروجَ لاستئخار الرفاق . ولو كان حاضراً مع المشتري ، وكان لا يمنعه من الطّلب مانع ، وجرينا على أنه لا يقطع الأشغال القريبة التي هو ملابسها إذا بلغه خبر الشفعة ، فهل يجب الإشهاد والحالة هذه ؟ ظاهر كلام الأئمة أنه لا يجب ، وأن وجوب الإشهاد عند من يراه يختص بالمعذور الذي يتعذر عليه مبادرة الطلب . وذكر القاضي في هذا المقام وجهين في تعيين الإشهاد ، واستنبطهما من نصّ الشافعي ، حيث قال في الحاضر إذا بلغه موجب الشفعة : " إن طلب على مكانه ، فهي له " ومعلوم أن الطلب في ذلك المكان من غير خروج إلى المشتري أو إلى مجلس الحاكم لا معنى له ، ولا يكلف الإنسان أن يناطق نفسه بالطلب ، فلا معنى للطلب الذي ذكره الشافعي مختصاً بمكان بلوغ الخبر ، إلا أن يُشهد إذا قدَر على الإشهاد . وهذا استنباط حسن لائق باللفظ . والخلاف الذي أبداه يترتب على الإشهاد في السفر لا محالة . 4716 - فإذ ذكرنا الصور في الإشهاد مرتبة ، فنذكر بعدها معنىً كلياً يستند الإشهاد إليه ، ثم لا يخفى على الفقيه استعماله في تفاصيل الصور ، فمن بلغه الخبر ،

--> ( 1 ) في الأصل : لاغٍ . ( 2 ) كذا في النسخ الأربع . ولعلها : خوفٌ ، أو استشعار خوف .