عبد الملك الجويني

321

نهاية المطلب في دراية المذهب

إلى المبالغة في الفور والبدارِ ، ومن ألفاظه في ذلك أنه قال : " إن عَلِم ، فطلبَ مكانَه ، فهي لهُ " ( 1 ) . فأول ما نذكره بعد ذكر النص أن معظم أئمتنا صاروا إلى أن الرّجوع في تحقيق الفور إلى العرف ، واكتفوا بأن لا يصدر من الشفيع ما يدل على التواني في الطلب ، وبنَوْا عليه أنه لو كان ملابساً شغلاً ، فبلغه ثبوت الشفعة [ له ] ( 2 ) ولم يكن في استكماله ما هو فيه من الشغل القريب ما يدل على التواني والتأخير ، فلا يبطل حقه باستكمال ما هو فيه ، وذلك مثل أن يكون في أثناء أكل الطعام ، أو يكون في الحمام ، أو متحرماً بصلاة نافلةٍ ، فهذه الأشغال القريبة إذا أتمها ، ثم استفتح ، لم يكن مقصراً ، وأبعد بعضُ أصحابنا ، فقال : تحقيق الفور قطعُ ما هو فيه من هذه الأشغال ، وقد أشار القاضي إلى هذا ، وعضده بنص الشافعي في وجهٍ من الاحتمال ، فإن الشافعي قال : " فطلبه على مكانه ، فهي له " . ونص في خيار المعتقة - تفريعاً على قول الفور - أنها لو تركت الفسخ ساعة من نهارٍ ، بطل حقها ، وقال : " لو أخرت أقل زمان بطل حقها " . فقد حصلنا على اختلافٍ محقق في هذا . ولا تبين حقيقة المراد إلا بأمرٍ ، وهو أن علة الفور عندنا لا تتضح بما قدمناه ، وحاصله أنا لو أثبتنا حق الشفعة - وهو لدفع الضّرار - من غير ربط بالفور ، لَتوانَى الشفيعُ ، وبقي المشتري غيرَ واثق بشيء من تصرفاته . ثم إن قيل : يُبطل ( 3 ) عليه ، فسبيله أن يرفع إلى حاكمٍ ، فربما يُغَيِّب وجهه ، أو يمتنع . وفي العلماء من قال : إذا لم نقل بالفور ، لم نبطل على الشفيع حقه . وهذا يُفضي إلى إلحاق ضررٍ بالمشتري يزيد على ما يدفعه الشفيع عن نفسه . ثم إذا بطل التأبيد ، فلا سبيل إلى التحكم بتأقيتٍ من غير توقيف ، فلا يبقى إلا المصيرُ إلى الفور ، فإن كان الذال على الفور ما ذكرناه ، فالذي ذهب إليه الجمهور متجه حسن ، وحاصله ألا يبدُوَ منه توانٍ . ومساق هذا لا ينافي استكمالَ الأشغال القريبة .

--> ( 1 ) ر . المختصر : 3 / 50 . ( 2 ) ساقطة من الأصل . ( 3 ) يُبطل : أي يبطل المشتري على الشفيع حقه بالرفع إلى الحاكم .