عبد الملك الجويني

153

نهاية المطلب في دراية المذهب

ومن أصحابنا من قال : ما حكاه المزني قولٌ ، وفي المسألة قول آخر ، فيحصل قولان في أن القول قول من ؟ وهذا بعيد عن القياس . ومن أصحابنا من قطع القول بما نقله المزني ، واتبع نقله ووثق به ، ثم لم يعتصم إلا بمسلكٍ مائل عن القياس ، وهو أنه قال : الأصل نفيُ العدوان ، والظنُّ بكل منتفع انتفاءُ اعتدائه . وكأن هذا القائل يقول : لا نحمل يد صاحب اليد على الغصب والعدوان ، وقد أمرنا بتحسين الظن به ، فعلى من ادّعى العدوان إثباتُه . وهذا لا وقع له عند المحصلين وإن اضطر الأصحابُ إلى ذكره . هذا كله ، والعين قائمة . 4519 - فإن تلفت العين ، انقسم الأمر ، فلا يخلو : إما أن يقع التلف متصلاً ، أو بعد مضي مدّةٍ ، فإن اتصل التلف ، ثم تنازعا ، فللمالك القيمة ، ولا أثر للخلاف ؛ فإن العارية مضمونةٌ ، والغصب مضمون ، ولا يتصوَّر فرض تفاوت مع الاتصال . ولا يخرج في هذه الصورة الخلاف المشهور للأصحاب باختلاف الجهة ، حتى يقال : إحدى الجهتين غصبٌ والأخرى عارية ، فإن العين متحدة ، فلا وقع للاختلاف . وإن وقع التلف بعد مضي مدة ، فالمالك يدعي أجرة مثل المنفعةِ في ذلك الزمان ، والقيمةَ ، والمنتفع مقر بالقيمة ، منكر للأجرة ، فالكلام في الأجرة في هذه الصورة كالكلام فيها إذا كانت العين قائمةً ، وقد ذكرنا نقل المزني واختلافَ الأصحاب وراء نقله . وما قدمناه يعود ، يعني الطرق الثلاث . أما القيمة إن ( 1 ) قلنا : تضمن العارية ضمان الغصوب ، فقد وقع الوفاق في قدر القيمةِ ، فيستحقها المالك . وإن قلنا : العارية مضمونة بقيمتها يوم التلف ، وكان قيمة يوم التلف أكثر ، فتجب القيمة ولا أثر للنزاع والاختلاف . وإن كان قيمة يوم التلف أقل ، فلا نقل في هذه الصورة . والذي يقتضيه القياس أن القول قول المالك ، لأنه جاحد لأصل الإذن ، وقياس نقل المزني أن ننفي العدوان ونجعل القول في نفيها قول صاحب اليد . ثم ينتظم من ذلك الطرق التي قدمناها . هذا نجاز القول ومنتهاه في اختلاف المالك والمنتفع .

--> ( 1 ) نذكر بالتزام إمام الحرمين حذف الفاء في جواب ( أما ) ( تقريباً ) وهو مذهب الكوفيين .