عبد الملك الجويني

379

نهاية المطلب في دراية المذهب

2762 - فأما إذا مات بعد الوقوف بعرفة ، فليتأمل الناظر عند ذلك ما يُلْقَى إليه ؛ فإنه مظنة إشكال ، وقد اضطربت الطرق لأجله : قال العراقيون : المستناب لا بد وأن يُحرم ؛ فإن بقية الأعمال لا تتأتى إلاّ من محرم ، والإحرامُ بالحج - وقد انقضى أشهر الحج بطلوع فجر يوم النحر - محالٌ ، على مذهب الشافعي . قالوا : فالوجه أن يحرم المستناب بعمرة ، ويطوفَ ، ويسعى ، وكان بقي على الذي مات الطوافُ والسعي ركنين ، فيقع طوافُ المستناب المعتمِر وسعيُه سادّاً مسد الطوافِ والسعي ، اللذين كانا بقيا على الميت مع حجه ، والمستناب ينويه بالعمرة . وهذا فيه إشكال ظاهر ؛ من جهة أن العمرة يبعد أن تسد مسد الحج . وذكر المراوزة مسلكاً آخر ، فقالوا : المستناب يُحرم بالحج إحراماً ناقصاً ، وزعموا أن تجويز الاستنابة لا يطَّرد إلاّ على تجويز ذلك ، ثم هؤلاء قالوا : الإحرام بالحج إنما يمتنع في غير أشهر الحج إذا كان إحراماً تامّاً ، فأما الإحرام الناقص ، فلا امتناع فيه . وهذا كما أن الإحرام الناقص يبقى دائماً مع [ انقضاء ] ( 1 ) أشهر الحج ، فتقدير الابتداء على النقصان كتقدير الدوام . ْثم من سلك مسلك العراقيين ، ذهب إلى أن المستناب المعتمرَ ، لا يبيت ولا يرمي ، ولا يأتي بشيء من مناسك منى ؛ فإنها أتباعُ انتهاء الحج . والعمرة لا تقتضي شيئاً من ذلك . ومن قال من المراوزة : إن المستناب يُحرم إحراماً ناقصاً ببقية الحج ، فالمستناب يأتي بمناسك منى ؛ فإنه في الحج . وذكر هؤلاء أنه لو مات الحاج بعد أن تحلل أحدَ التحللين ، فالمستناب يأتي بإحرامٍ حُكْمه أن لا يَمنَع اللُّبسَ والقَلْمَ على التفصيل المذكور . وهذا جارٍ على قياسهم . 2763 - ولو مات الحاج بعد التحللين ، فلست أرى على قياسِ المراوزة وجهاً لجواز الاستنابة في المناسك الواقعة وراء التحللين ؛ فإن ذلك لا يتأتى إلاّ ممن سبق

--> ( 1 ) ساقط من الأصل ، ( ك ) .