عبد الملك الجويني
374
نهاية المطلب في دراية المذهب
التفريع على القولين : 2753 - إن قلنا : لا نحط لمكان الجبران الحاصل في مقابلة النقصان ، فهل ننظر إلى قدر قيمة الدم ، حتى نقيسَه بقدر الأجر في مقابلة العمل المتروك ؟ اختلف أصحابنا في المسألة ، فمنهم من قال : لا نعتبر ذلك ، وهو الأقيس على هذا القول ؛ لأن التعويل على حصول الجبران ، فإذا قضى الشرع به من غير نظر إلى قدر القيمة ، فلا ينبغي أن يكون بالقيمة اعتبار : زادت ، أو تماثلت ، أو نقصت . ومن أصحابنا من اعتبر المقابلة ، بين قيمة الدم وبين أجرة العمل المتروك . ووجهُ هذا على غرض قائله لائح ؛ فلا نتكلفه . فعلى هذا إن تماثلت قيمةُ الدم ، أو زادت ، فلا حط ، وإن نقصت قيمة الدم عن أجر المتروك ، جَبَرْنا مقدار القيمة ، وحططنا الزائدَ من الأجر . هذا إذا فرعنا على النظر إلى الجبران . 2754 - وإن قلنا : أجر العمل المتروك محطوط ، ولا التفات إلى ما جرى من جبران ، فما المعتبر في كيفية التوزيع ؟ واختلف أصحابنا في المسألة . ولا يتأتى الوقوف على حقيقة الاختلاف إلا بتقديم أصلٍ مقصودٍ في نفسه ، ومنه يبين الغرضُ ، فنقول : إذا استأجر رجلٌ أجيراً ليحج عنه والخَرْجَة من نَيْسابور مثلاً ، فإذا انطلق الأجير ، وانتهى إلى الميقات المطلوب منه حجُّه عن مستأجِره ، فلو أحرم بالعمرة عن نفسه ، ودخل مكةَ ، وطاف ، وسعى ، وحلق ، ثم حج عن مستأجِره من جوف مكة ، فالحجة تنصرف إلى المستأجِر ، وفيما يستحقه الأجير قولان : أحدهما - توزع الأجرة المسماة على حجة تُفرض من الميقات ، وعلى أخرى تُفرض من جوف مكة ، فإذا قيل لنا : حجةٌ من الميقات تساوي عشرة ، ومن جوف مكة تساوي تسعة ، فقد تبينا أن بين التقديرين العُشرْ ، وكان المطلوب من الأجير أن يحج من الميقات ، فإذا حج من مكة ، فقد ترك عُشر العمل ، فنحطُّ عشرَ الأجرة المسماةِ على هذه النسبة ، ووجه هذا القول أن المطلوب من الأجير الحجُّ ، وابتداؤه من الإحرام ، فليقع التوزيعُ من هذا المبتدأ .