عبد الملك الجويني

305

نهاية المطلب في دراية المذهب

موضوعاً على المكان الذي منه ابتداء السعي ، فكان السيل يهدمه ، ويحطمه ، فرفعوه إلى أعلى ركن المسجد ، ولم يجدوا على السَّنَن أقرب من ذلك الركن ، فوقع متأخراً عن مبتدأ السعي سِتةَ أذرع . ثم يأخذ في السعي ويتمادى عليه ، حتى يتوسط ميلين أخضرين أحدهما متصلٌ بفناء المسجد ، عن يسار الساعي ، والثاني متصل بخانٍ ، تعرفه العامة بدار العباس ، فإذا توسطهما ، عاد إلى سجية المشي . ثم الصحيح من رسول الله صلى الله عليه وسلم شدّةُ السعي " قالت حبيبةُ بنت أبي تجراه ( 1 ) : " تطلعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع نسوةٍ من قريش ، لأنظر كيف يسعى ، [ فرأيته يسعى ] ( 2 ) ، وساقه تدور بإزاره ، من شدة السعي ، ويقول : أيها الناس : إن الله كتب عليهم السعي ، فاسعَوْا " ( 3 ) . وذكر بعض أئمتنا لفظ الخبب ، وليس ذلك مما يعتد به . ولكن لا ينبغي أن يبلغ السعي مبلغاً ينبهر به ، فإذا كان كذلك ، فمن ضرورته طرف من الاقتصاد . والرقي في المروةِ محبوبٌ كالرقي في الصفا . وكانت الكعبة تبدو في عصر رسول الله عليه وسلم من تلك الجهة أيضاً ، ثم أحدث الناس الأبنية ، فحالت بين الكعبة وبين الراقين في المروة بالمقدار المشروع ، وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سعيه : " اللهم اغفر وارحم ، واعف عما تعلم ، وأنت الأعز الأكرم ، اللهم آتنا في الدنيا حسنة . وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " ( 4 ) .

--> ( 1 ) حبيبة بنت أبي تجراه العبدرية ، ثم الشيبية ، قيل بفتح الأول ، وقيل بالتصغير ، وتجراه بفتح التاء المثناة من فوق ، وفي مسند أحمد ( تجزئة ) بدل تجراه . وقيل في اسمها حبيّبة . بالتصغير مع التشديد ، روى حديثها هذا . الشافعي ، وأحمد ، والطحاوي ( ر . الإصابة ، والاستيعاب ، وتجريد أسماء الصحابة ) . ( 2 ) ساقط من الأصل . ( 3 ) حديث : أيها الناس : إن الله كتب عليكم السعي . رواه أحمد في مسنده : 6 / 421 ، 422 ، ورواه ابن حجر في ترجمة حبيبة في الإصابة ، وكذلك ابن عبد البر في الاستيعاب . ( 4 ) دعاء اللهم اغفر وارحم . . . رواه الطبراني في الدعاء ، وفي الأوسط بعضه من حديث ابن مسعود ، ورواه البيهقي : 5 / 95 ، وانظر التلخيص : 2 / 479 .