عبد الملك الجويني

291

نهاية المطلب في دراية المذهب

فهذا أصل الرمل ، ثم في بعض الروايات : أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابَه رضي الله عنهم ، كانوا إذا انتهوا إلى ما بين الركنين اليماني والحَجَر [ اتّأدوا ] ( 1 ) ؛ فإن الكعبة كانت تحول بينهم وبين الكفار . فقال هذا القائل : الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأسوة في الرمل ، وُيتْرَكُ الرمل حيث كان يتركه ، وهو أقوى ( 2 ) ، لو تجرد نقلُه ، وقد نُقل : أنه كان يرمل من الحَجَر إلى الحَجَر ، ولا يبعد أنهم كانوا يسكنون قليلاً ، من غير مفارقة سجية الرمل . وروي أن عمر قال : " فيم الرمل ، والتكشف ، وقد أطّأ ( 3 ) الله الإسلام ، ونفى الشرك وأهله ، ألا إني لا أحب أن أدع شيئاً ، كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " ( 4 ) فإن قيل : لم دام الرمَل مع ظهور سببه أولاً ، وزواله آخراً ؟ قلنا : ما لا يُعقل معناه على التثبت لا يحكّم المعنى ( 5 ) فيه . وقد قيل : إن سبب السعي ما كان من هاجَر أمّ إسماعيل ، وابنه ( 6 ) ، كما سنصفه ، ثم أُثبت ركناً في الدين .

--> = ابن عباس . ( ر . البخاري : الحج ، باب كيف كان بدء الرمل ، ح 1602 ، وطرفه في 4256 ، وعند مسلم : الحج ، باب استحباب الرمل ، ح 1264 ، وهو عند أبي داود : المناسك ، باب في الرمل ، ح 1889 ، وأحمد : 1 / 290 - 295 ، ومتفق عليه من حديث ابن عمر أيضاً ، وعند مسلم من حديث جابر ، وانظر التلخيص : 2 / 474 ح 1029 إلى 1033 ) . ( 1 ) في الأصل : تاذوا ، وهي محرّفة عن ( تباذوا ) بالباء الموحدة ، والزاي المعجمة وهي في رواية من روايات الحديث ، يقال : تبازى في مشيته إذا حرّك عجيزته ( ر . تلخيص الحبير : 2 / 476 ح 1033 ، والمعجم ) . هذا والمثبت من ( ط ) ، ( ك ) . ( 2 ) ( ط ) ، ( ك ) : وهذا قوي . ( 3 ) أطأ : ثبت ، من وطأ ، والهمزة أوله بدل الواو . ( النهاية في غريب الحديب ، وهامش ابن ماجة ، وسنن البيهقي ) . ( 4 ) حديث عمر ، رواه ابن ماجة : المناسك ، باب الرمل ، ح 2952 ، والحاكم : 1 / 454 ، والبيهقي : 5 / 79 ، وانظر التلخيص : 2 / 475 ح 1030 ) . ( 5 ) ( ك ) لا يحمل المفتي . ( 6 ) كذا في النسخ الثلاث ، ولعل الصواب : " وابنها " . وربما كانت وأبيه لما سيأتي في قصة الذبح وتشريع الرجم ، فمعنى الجملة : إن ما كان من أم إسماعيل بحثاً عن الماء ، وما كان من أبيه زجراً للشيطان أثبت ركناً في الدين . والله أعلم .