عبد الملك الجويني

280

نهاية المطلب في دراية المذهب

الطواف منكساً ، ولا يُعتد به أصلاً . هذا أحد معنيي الترتيب . والمعنى الآخر - أن البداية تكون بالحجر الأسود ، حتى لو وقعت البداية بمكانٍ آخر من البيت ، لم يعتد بشيء مما جرى ، حتى ينتهي الطائف إلى محاذاة الحجر الأسود ، فذاك أول طوافه . وهو كالمتوضئ يقدِّم غسل رجليه ، فلا يعتد به ، فإذا غسل وجهه ، قيل : هذا أول وضوئه . ومما يتعلق بهذا الفن أن يكون الطائف خارج البيت ، ويكون تَدْوارُه وراء منقطع البيت من الأقطار ( 1 ) . 2621 - ولا نجد الآن بداً من كلامٍ وجيز في هيئة البيت ، وما جرى من هدمه ، وإعادته ، حتى يتضح الحِجْرُ وأمرُه ، وشاذروان الكعبة بين الركن اليماني ، وركن الحَجَر ، فإذا نحن وصفنا ذلك ، بنينا عليه غرضَنا في أمر الطواف . روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : " لولا حِدْثانُ ( 2 ) قومك بالشرك ، لهدمت البيت ، ولبنيتُه على قواعدِ إبراهيم ، وألصقته بالأرض ، وجعلت له بابين : باباً شرقياً ، يدخل الناس فيه ، وباباً غربياً ، يخرج الناس منه . فقالت : وما دعاهم إلى إخراج بعض البيت إلى الحِجْر ، فقال : قصّرت بهم النفقة . قالت : فلِمَ رفعوا الكعبةَ عن الأرض ؟ قال : ليأذنوا لمن شاؤوا ، ويمنعوا من شاءوا " ( 3 ) وقوله صلى الله عليه وسلم : قصّرت بهم النفقة ، ليس أن مالَ قريش ، لم يتسع لبناء البيت ، أو بخلوا به ، ولكن [ كان ] ( 4 ) للكعبة أموالٌ طيبة من النذور ، والهدايا ، فقالوا : لا ننفق على البيت من أموالنا ، التي جرى فيها الربا ، وإنما نُنْفق مالَ البيت ، فقصّر ذلك المال .

--> ( 1 ) الأقطار : الجوانب . ( 2 ) حِدْثان : بكسرٍ ، فسكون ، ابتداء الأمر ، وأوله ، ويقال : حِدْثان الثباب ( معجم ) والمعنى قربُ عهدهم بالشرك . ( 3 ) حديث : بناء البيت متفق عليه من حديث عائشة ، وله عندهما ألفاظ كثيرة متنوعة ( ر . البخاري : الحج ، باب فضل مكة وبنيانها ح 1583 ، مسلم : الحج ، باب نقض الكعبة وبنائها ، ح 1333 ، التلخيص : 2 / 465 ح 1014 ) . ( 4 ) ساقطة من الأصل .