عبد الملك الجويني
22
نهاية المطلب في دراية المذهب
معه ، فناداه صاحبُ المواقيت : بأن الشمس لم تغب ، فقال رضي الله عنه : بعثناك داعياً ، وما بعثناك راعياً " ( 1 ) . وهذا دليلٌ أولاً على أنه لا يجب التوقفُ في الفطر إلى درك اليقين . وفي الأثر إشكالٌ ، من جهة أن ظاهرَه مشعرٌ بالإنكار على ذلك المخبر ، وما نرى الأمرَ كذلك ، بل كان حقاً عليه أن يخبر ، فلا محمل لكلام عمر إلا شيئان : أحدهما - النهي عن أصل المراعاة ، وهذا فيه نظر أيضاً ؛ فإنه ليس يتجه منعٌ عن هذا ، فالوجه حمل ما كان منه على ( 2 ) بادرة اقتضتها قوةٌ غضبية ( 3 ) . وكان شيخي يحكي عن شيخه أبي إسحاق الإسفرائيني النهيَ عن الاجتهادِ والاعتمادِ عليه في هذا ، وفي وقت الصلاة ، إذا أمكن الوصولُ إلى درك اليقين . ولو أفطر الإنسان في آخر النهار مجتهداً ، فعليه القضاء ، وإن لم يَبِن الخطأ على رأي الأستاذ ( 4 ) . وعند غيره لا قضاء إذا لم يتحقق الخطأ . ولو أفطر في آخر النهار ، من غير اجتهاد ، ولا تحقق ، ثم لم يتبين [ أنه ] ( 5 ) كان في نهار أو ليل ، فالذي قطع به الأصحاب أنه يلزمه القضاء ، فإن وجوب الصوم واستصحاب النهار تجرَّدَا ، ولم يعارضهما تعلقٌ باجتهاد ، ولا [ يقين ] ( 6 ) . ولو فُرض في أول النهار اجتهادٌ ، ولم يتبين الخطأ ، فالوجه القطع بأن لا قضاء [ ولو فرض أكلٌ من غير اجتهاد ، ولم يتبين أمرٌ ، فالوجه القطع بأن لا قضاء ] ( 7 ) أيضاً اكتفاء باستصحاب الحال .
--> ( 1 ) أثر عمر رضي الله عنه رواه البيهقي - بلفظ إمام الحرمين - : 4 / 217 ، وبلفظ آخر رواه الشافعي في الأم : 2 / 96 ( ر . التلخيص : 2 / 403 ) . ( 2 ) هذا هو الشيء الثاني لمحملي كلام عمر . ( 3 ) وفي هامش الأصل ما نصه : قيل : يجوز أن يقال : إن الإنكار كان في موضعه ؛ فإن عمر أفطر بالاجتهاد ، وصاحب المواقيت أخبر عن اجتهاد ، لا عن مشاهدة ، وليس للمجتهد الإنكار على المجتهد . ا . ه - . ( 4 ) الأستاذ : أي أبو إسحاق الإسفراييني فهذا لقبه في لسان الإمام . ( 5 ) ساقطة من الأصل . ( 6 ) في الأصل : تعين . ( 7 ) ما بين المعقفين ساقط من الأصل .