عبد الملك الجويني
114
نهاية المطلب في دراية المذهب
الاعتكاف مرتدّاً ؟ فإن قال : يصح اعتكافه ، فهو أمر عظيم ، وإن سلّم الفسادَ عند اقتران ( 1 ) الردة ، فالفرق بين المقارن والطارئ عسِر ، ولم يختلف أصحابنا في أن من ارتد في أثناء الوضوء ، وغسل عضواً من أعضائه ، في زمن ردته ، لم يعتد بما أتى به في زمن الردة ، والمكث الذي يقارن الردةَ الطارئة ، كان يعتد به لولا الردة ، فكيف الاعتداد به مع كَوْن ( 2 ) الردة . فإن روجعنا [ في الصحيح ] ( 3 ) من ذلك ، فالوجه الحكمُ بكون الردة مفسدةً ، واحتمال بُعدٍ في التأويل للنص . وأما السُّكْر ، فإذا طال ، فليس يبعد احتمالٌ في فساد الاعتكاف . على أن القياس أن لا يفسد مع تقدم النية . فإذاً يحمل النص على الإخراج من المسجد لإقامة الحدّ ، وتكون فائدة التصوير أنه إذا كان منتسباً إلى التزام الحد ، كان إخراجه على القهر ، بمثابة خروجه من معتكفَه اختياراً . وأما من قال بالفصل بين الزمان اليسير والكثير في الردة ، فليس له وجه ، به مبالاة . ولكن إن لم يكن من المصير إلى ظاهر النص بُدّ ، فقد ينتظم الاستنباط من قول الأصحاب في هذا [ فصل ] ( 4 ) وهو أن من خرج عن معتكفه مختاراً من غير عذر ، انقطع تتابعه ، وإن قرب الزمان . وإن بقي في معتكفه وطرأ مفسد ، كالردة - إذا اعتقدناها مفسدة - فإذا قرب الزمان ، فالأصحاب مترددون في انقطاع التتابع ، كما نبهنا عليه ، ولا وجه أصلاً للاعتداد بالزمان الذي كان مرتداً فيه . فهذا منتهى الحِيَل ( 5 ) بعد النقل ، في تنزيل كل قول ، على الممكن فيه . وقد نجز تمام المراد في جميع مفسدات الاعتكاف .
--> ( 1 ) ( ط ) : اعتقاد . ( 2 ) أي وجودها . ( 3 ) في الأصل ، ( ك ) : فالصحيح . ( 4 ) في الأصل ، ( ك ) : قصد . هذا والمراد بقوله ( فصلٌ ) أي كلامٌ يسوقه ملخصاً جامعاً مرتَّباً . ( 5 ) الحِيَل : جمع حيلة ، وهي الحذق وجودة النظر ، والقدرة على دقة التصرف في الأمور . ( المعجم ) .