عبد الملك الجويني

108

نهاية المطلب في دراية المذهب

لا يفسد الاعتكاف إلا بالوطء الذي يوجب الحد . واضطربت الأئمة في ترتيب المذهب . ونحن نفرض مباشرةً وهي التقاء البشرتين ، من غير إنزالٍ ، ثم نفرضها مع الإنزال . فإن لم يتفق الإنزال ، فمن أصحابنا من خرّج قولين في أنها هل تُفسد الاعتكاف ؟ أحدهما - لا تفسده ، كما لا تفسد الصومَ . والثاني - تفسده ، لظاهر قوله تعالى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } [ البقرة : 187 ] . والغالب على الظن أن المراد المباشرةُ ، دون الإنزال ، والجماع ، فإنهما لا يقعان ( 1 ) ، ولا يخفى على العامة اجتنابُهما ، فتخصيص المباشرة بالنهي عنها في الاعتكاف ، يشعر بالمباشرةِ العريّه عن الإنزال ، فقد عُدّت خصّيصة ( 2 ) بمحظورات الاعتكاف ، ثم هي محظورة في الحج ، وإن لم تكن مفسدةً له . فأما المباشرة إذا اتصل بها الإنزال ، فالذي يليق بالتحقيق القطعُ بأنها تُفسدُ الاعتكاف ، كما تُفسد الصوم ، وهي بإفساد الاعتكاف أولى ، فإنا قد نُحوَجُ ( 3 ) إلى تكلّفٍ في تعليل إفساد الصوم بالإنزال ، فإنه ليس جِماعاً ، ولا دخول داخلٍ إلى الجوف ، وتعليل إفساد الإنزال للاعتكاف لائحٌ ، من جهة أن المنزل مُجنب ، ويحرم على الجنب المكثُ في المسجد ، والاعتكاف مكثٌ في المسجد ، ويستحيل أن يكون المكثُ محرماً منهيّاً عنه [ نهياً ] ( 4 ) مقصوداً ، ثم يقع قُربة ، مأموراً بها ، وليس ذلك من قبيل الصلاة في الدار المغصوبة ؛ فإن النهي لا يتجرد إلى الصلاة قصداً ، كما قررناه في فن الأصول ( 5 ) . وذكر بعض أصحابنا قولين في المباشرة مع الإنزال ، وزعموا أن الإفساد يختص

--> ( 1 ) كان المعنى لا يقع فيهما - أعني الإنزال والجماع - المعتكف ، ويتحاشاهما ، لظهور حكمهما ، كما هو واضح من السياق . ( 2 ) الخصّيص : الأخص من الخاص ( معجم ) . ( 3 ) ( ط ) : نخرج . ( 4 ) مزيدة من ( ط ) . ( 5 ) ر . البرهان في أصول الفقه : 1 / فقرة 208 - 212 .