عبد الملك الجويني
91
نهاية المطلب في دراية المذهب
737 - ومما يتعلق بتمام ذلك أن العراقيين حَكَوْا نصّين ظاهرهما الاختلاف في المكي إذا لم يعاين الكعبة ، فنقلوا أنه قال في موضع : " من سهل عليه معاينة الكعبة في صلاته على سهل ، أو جبل ، تعيّن ذلك عليه " . ونقلوا أنه قال : " من كان في مكة في مكان لا يرى منه البيت ، لم يجز له أن يترك الاجتهادَ بكل ما يستدل به على الكعبة " ثم قالوا : والنصّان منزّلان على اختلاف حالين ، فمن يكون موقفه بحيث تبدو منه الكعبة على [ يُسرٍ ] ( 1 ) وسهولة ، فتتعين معاينة الكعبة . وحيث يكون بينه وبين الكعبة حائل من جدار ، أو جبل ، أو غيرهما ، فلا نكلفه المعاينة . فظاهر كلامهم اشتراط العيان عند الإمكان ، حتى قالوا : لو بنى حائلاً حاجزاً بين موقفه وبين الكعبة ، حتى عسرت عليه المعاينة - من غير ضرورة وحاجة - فلا تصح صلاته ؛ لتفريطه في ذلك . وهذا كلام فيه إخلال ، والذي أراه أن الرجل إذا سوَّى محراباً على العيان ، ثم أثبت حاجزاً ، فلا بأس ، فإنه إذا وقف نقطع بأنه وقف موقفاً يسمى فيه مستقبلاً . وقد ذكرنا أنه لا يعتبر عند الاستئخار من جِرم الكعبة حقيقةُ المحاذاة والمسامتة ، وإنما يكتفى بحصول اسم الاستقبال ، فالعيان مرعيٌّ ليسوَّى بحسبه محراب عند الإمكان . فأما إذا وقف في عرصة داره بمكة ، فلا بأس ، ولكن إن سوى محرابها بناءً على العيان في أول البناء ، فهو خارج على ما ذكرناه ، وإن بنى المحرابَ في البناء على الأدلة ، ولم يعتن بالعيان في ابتداء الأمر ، أو وقف واقف في بيتٍ من دارٍ لا محراب فيه ، واعتمد فيه الأدلة ، فظاهر ما نقله العراقيون جواز ذلك ، وأنه لا يكلف الترقي إلى سطح الدار مع إمكان العيان فيه ، وأطلقوا جواز الاجتهاد في هذه الصورة ، واعتمدوا فيه ما صادفوا عليه أهل مكة وهم يصلون في عرصات الدور ، وكذلك استفاض ذلك من الأوّلين .
--> ( 1 ) في الأصل كما في ( ت 1 ) نشز .