عبد الملك الجويني

81

نهاية المطلب في دراية المذهب

الزمان ، ففي بطلان الصلاة خلافٌ ذكرناه ، فإن بطلت ، فلا كلام ، وإن قلنا : لا تبطل ، فيردَّها ويسجد للسهو . وإن جمحت الدابّة ، وتعدّت بنفسها ، والمصلّي ذاكر ، فإن طال الزمان ، بطلت الصلاة ، وإن تمكن من ردّها على القرب ، فقد ذكرنا في مثل هذه الصورة خلافاً فيمن يُصرف عن القبلة ، والظاهر هاهنا أن الصلاة لا تبطل ، فإنّ نفرةَ الدابّة وجماحَها - مع ردّها على قربٍ - ممّا يعم وقوعه ، وتظهر البلوى به ، ولو قضينا ببطلان الصلاة بقليل ذلك ؛ لأثر ذلك في قاعدة الرخصة ، مع العلم بأن هذه الرخصة مبنية على نهاية السعة ، وغاية التخفيف . فأمّا صرف الرجلِ الرجلَ عن القبلة ، فأمرٌ لا يعهد وقوعه إلا في غاية الندور ، فلهذا قطع الأئمة بأن جماح الدابة في زمان قريب لا يبطل الصلاة ، ولم أر ما يخالف هذا للأصحاب ، ثم إذا سددها ، فقد قطع الصيدلاني بأنه لا يسجد ؛ فإن سجود السهو لا يثبت إلاّ عند سهو المصلّي بترك شيء ، أو فعلِ شيء ، ولم يُوجد من المصلي شيء . ولا يجوز غير هذا الذي ذكر . ولو خرجت الدابة من غير جماح عن السمت ، والمصلي غافل عنها ، ذاكر لصلاته ، فإنْ قَصُر الزمان ، لم تبطل الصلاة ، وإن طال الزمان ، ففيه الكلام المقدم . فإن لم تبطل ، فقد قطع شيخي بسجود السهو في هذه الصورة . وقياس ما ذكره الصيدلاني أنه لا يسجد ؛ لأنه لم يصرف الدابة بنفسه ناسياً ، فينسب الخروج عن السمت إليه . ويحتمل على طريقةٍ أن يسجد من حيث إنه غفل عن مستن ( 1 ) الدابة ومجراها ، ولو كان متذاكراً حاضر الذهن ، لَمَنَعها من الخروج ، فالخلاف في هذه الصورة ظاهر . فإذاً إن نسي ، وأخرج الدابة ، فالسجود عليه ، حيث لا تبطل صلاته . وإن جمحت الدابة ، وقهرت راكبها ، فلا يسجد ، حيث لا تبطل الصلاة قطعاً . وإن كان خروج الدابة عن السمت ، لغفلة الراكب ، ففي سجود السهو خلاف ظاهر ، فهذا بيان حكم الاستقبال في حق الراكب .

--> ( 1 ) في : ( ت 1 ) ، ( ت 2 ) : مسيرة .