عبد الملك الجويني

79

نهاية المطلب في دراية المذهب

صوب قصده . ثم من راعى الاستقبالَ في التحريم ، ذكر خلافاً في تعيّنه عند التحلّل ، وزعم أن هذا الخلاف خارج على أن نيّة الخروج هل تشرط عند السلام ؟ وهذا ركيك ، صادرٌ عن غير فكر ؛ فإن نيّة التحلل إن شرطت ، فليس مأخذ اشتراطها ما ظنّه هذا القائل ، من أنه أحد طرفي الصلاة ؛ وإنّما سبب اشتراطها أنه خطابٌ للآدمي ، مخالف لموضوع الصلاة ، [ فلا بد عنده ] ( 1 ) من نيّةٍ تصرفه إلى مقصود الصلاة ، ولا تعلّق لهذا الفنّ بما نحن فيه من أمر الاستقبال . 722 - ومما نذكره في ذلك : أن المسافر إذا مضى في صلاته ، فينبغي أن يتخذ طريقَه قبلتَه في دوام الصلاة ، فلو انحرف عنها إلى غير القبلة قصداً ، بطلت صلاته ، ثم الطريق قد تستدُّ ، وربّما تدور ، فيتبعها كيف فُرضت ، ولسنا نعني الطريق المعتدة بالإطراق ، ولكنّا نريد صوبَها ، فلو تعلّى ( 2 ) المسافر عن الطريق ، ولم ينحرف عن صوبها ، وكان يبغي التوقي من زحمةٍ ، أو غبار ، فلا بأس ، ولو كان المسافر راكباً تعاسيف ( 3 ) ، فقد كان شيخي يقول : إن لم يكن له صوب ومقصد ، وكان يستدبر تارةً ويستقبل أخرى - فِعْلَ الهائم - فلا يتنفل أصلاً ، إذا لم يكن مستقبلاً في جميع صلاته . [ وإن لم يكن على طريق ، بل كان ينتحي صوباً معلوماً ، فهل يتنفل مستقبلاً صوبه ] ؟ ( 4 ) فعلى قولين ، وتوجيههما أنّا في قولٍ نقول : له مقصد معلوم ، وفي قول نقول : ليس ينتحي طريقاً مضبوطاً ، والصوبُ متاهة غير منضبطة . ويخرج عن مجموع ما ذكرناه : أن الصلاة في حال الاختيار كلّها ، لا بد وأن تكون منوطة بلزوم جهةٍ ، وإنما الكلام في تعيّنها .

--> ( 1 ) في النسخ الأربع : " فلا بدّ عند قائلين " ولعل صوابها " عند قائليه " فأصابها التحريف . وما أثبتناه هو بعينه ما حاوله أحد قراء نسخة ( ت 2 ) ، ففيها محاولة محو لعبارة " عند قائلين " وإثبات " عنده " مكانها . وأما نسخة ( ل ) فقد جاءت بنفس الخطأ تقريباً ، وأقول : " تقريباً " ؛ لأن في الموضع أثر ( أرضة ) خرمت أطراف بعض الحروف . والله المستعان . ( 2 ) تعلى : ارتفع ( المعجم ) ، والمراد هنا تجنب الطريق المطروقة . ( 3 ) عسف الطريق : سار فيه على غير هدى ، وهو يركب التعاسيف : إذا لم يسلك الطريق المستقيم ( المعجم ) . ( 4 ) ساقط من الأصل و ( ط ) .