عبد الملك الجويني

72

نهاية المطلب في دراية المذهب

713 - فإذاً هذه الرخصة ثابتة في السفر الطويل ، وهل تثبت في السفر القصير ؟ فعلى قولين : أحدهما - أنه يختص بالسفر الطويل ؛ فإنه تغيير ظاهر في الصلاة ، وترك شرط استقبال القبلة ، فهو حَريّ بأن يُشبَّه بالقصر وغيره من خصائص السفر الطويل . والقول الثاني أنه يجري في السفر القصير والطويل ؛ فإن الأخبار والآثار مطلقة فيه ، لا اختصاص لها بالطويل . والمعنى الذي أشرنا إليه يعمّ السفرين أيضاً ؛ فإن احتياجَ الناس إلى الأسفار القصيرة يكثر كثرةَ الاحتياج إلى الأسفار الطويلة . فإن قلنا : إنها تجري فَي الأسفار القصيرة ، [ فهل ] ( 1 ) يجوز لمن يتقلَّب في البلدة - وهو مقيم - أن يتنفَّل راكباً وماشياً ؟ ما ذهب إليه الأئمة - وهو النص ( 2 ) الباتّ للشافعي - منعُ المقيم من ذلك ؛ فإنّ تَرْكَ الاستقبال ، وإكثارَ الأفعال في الصلاة من التغييرات الظاهرة ، وهي بعيد عن حال المقيم . وذهب أبو سعيد الإصطخري إلى تجويز ذلك ، وكان يتنفّل على دابّته ، ويتردد في حارات بغداد . وحكى شيخي عن القفّال أنه كان يقول : " إن كان المتنفّل في الإقامة مستقبلَ القبلة في جميع صلاته ، جاز ، وإن استدبر في بعض صلاته ، لم يجز " . 714 - ولا يَبين الغرض في ذلك إلاّ بأمرٍ سنذكره ، فنقول : المتنفل لو صلّى قاعداً - مع القدرة على القيام - جاز مقيما ؛ فتركُ القيام ممّا يسُوغ ؛ مع الإتيان ببقية الأركان . ولو تنفّل الرجل مضطجعاً - مع القدرة - وكان يومىء بالركوع والسجود ، فظاهر المذهب المنع ؛ فإنّ جواز ترك القيام في حكم الرخصة التي لا يُقاس عليها .

--> ( 1 ) في النسخ الأربع : ( فهو ) . والمثبت تقدير منا ، نرجو أن يكون صواباً . ( الحمد لله صدقتنا ( ل ) ) . ( 2 ) ر . الأم : 1 / 84 . حيث يقول : " ولا يكون للراكب في مصير أن يصلي نافلة إلا كما يصلي المكتوبة إلى قبلة وعلى الأرض ، وما تجزيه الصلاة عليه في المكتوبة ؛ لأن أصل فرض المصلين سواء إلا حيث دل كتاب الله تعالى ، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رخص لهم " ا . ه‍ بنصه .