عبد الملك الجويني

64

نهاية المطلب في دراية المذهب

واحد ، والمراد به أنه لا يستأجر في مسجد واحد أكثر من مؤذن ، ولو كان صوت مؤذن واحد لا يُسمع أهل البلدة ، فلا بد من استئجار من يبلُغ صوتهم أهلَ البلدة ، وإن بلغوا عدداً . وقد رُوي أن عثمان في خلافته كان يرزق أربعة من المؤذنين ، وهو محمول على مَا ذَكرناه من تحصيل الغرض من إسماع أهل البلدة . وحكى بعض المصنفين عن ابن سُرَيج ( 1 ) أنه كان يجوِّز للإمام أن يستأجر أكثر من واحد . والقول الكافي في ذلك : أن الإبلاغ مما لا شك في جواز الاستئجار بسببه ، سواء حصل بواحد ، أو جَمْع ، فأمّا ما يزيد على هذا من إقامة [ مؤذنين ] ( 2 ) في مسجد كبير ، فهو في حُكم رعاية الأحرى والكمال ، وظاهر النص المنعُ من بذل المال فيه . والوجه عندي فيه أنه إن كان يحتاج إلى المال لأمور واجبةٍ ، أو مهمة بالغةٍ في مرتبتها مبلغ أصلِ التبليغ في الأذَان ، ولَو صُرِف المال إلى الأولى والكمال ، لتعطلت الأصول المرعيّة ، فلا نشك أن الصرف إلى التكملة مع تعطيل الأصل غيرُ جائز ، فأما إذا وسِعَ المال الأصول ، وفَضَلَ ، وتصدى للإمام أمران : أحدهما - الاستظهار بالادِّخار واعتماد ذخيرة في بيت المال ، والآخر الصرف إلى تكميلات الأمور ، فهذا محل النظر ، ونصُّ ( 3 ) الشافعي عندي محمول على هذه الصورة ، فلعله يرى الادخارَ ، وفيه احتمال ظاهر ، والقول في مصارف أموال بيت المال الكبير في هذه الفنون ، يتعلق بالإيالة ( 4 ) الكبيرة ، ومن أرادها على كمالها ، فعليه بالكتاب " الغياثي " ( 5 ) من مصنفاتنا .

--> ( 1 ) في النسختين : ابن شريح . وهو تصحيف ظاهر . ( 2 ) في النسختين : مؤذن . والمثبت رعاية منا للسياق . ثم جاءت ( ل ) بنفس الخلل مثل أختيها ، ولكن تقديرنا صحيح إن شاء الله ، يشهد له قول الإمام - الآتي قريباً - في حكم بذل المال في حسن الصوت ورقته : " وهذا عندي خارج على قياس القول في المؤذن الثاني في المسجد الكبير " . ( 3 ) يشير إلى ما حكاه عن الشافعي آنفاً : " ولا يرزق الإمام مؤذناً ، وهو يجد متطوعاً " . ( 4 ) أي سياسة الدولة . ( 5 ) ر : على سبيل المثال الفقرات : 301 ، 302 ، 342 . وغيرها .