عبد الملك الجويني

62

نهاية المطلب في دراية المذهب

ووجهه لائح ؛ فإنَّ أظهر الأغراض من الأذان الاستحثاث على الجماعات ، والإمامة عين القيام بعقد الجماعة ، والقيام بالشيء أولى من الدعاء إليه . وما روي عن النبي عليه السلام أنه قال : " الأئمة ضمناء " تنبيه على عظم خطر الإمامة ، وذلك يشعر بعلو قدرها ، مع الحث على التوقي من الغرر . فإن قيل : لم كان لا يؤذن - عليه السلام ؟ - قيل : تردد فيه الأئمة ، فقيل : كان لا يتفرغ إلى رعاية ذلك ، ولم يكن من إقامة الصّلاة بُدٌّ على حال ، فآثر الإمامة عليها . وقيل : لو أذّن ، لقال : أشهد أن محمداً رسول الله ، وهو محمد ، فكان خارجاً عن جزل الكلام ، ولو قال : أشهد أني رسول الله ، لكان تغييراً لنظم الأذان المعروف ، ولو قال : حيَّ على الصلاة ، لكان معناه : هلموا ، وذلك أمر ودعاء ، فكان يتحتم حضور الجماعات ، فأشفق على أمته ، ولم يؤثر أن يُلزمهم ما قد لا يفونَ به . قال : " وأحب أن يكون المؤذن اثنين " ( 1 ) . 706 - إذا كان المسجد كبيرا أو مطروقاً ، فينبغي أن يُرتَّبَ فيه مؤذنان ، اقتداء بما كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان فيه بلال وابن أم مكتوم ، ومن أظهر الفوائد فيه أن يؤذن أحدهما للصبح قبل طلوع الفجر ، ويؤذن الثاني بعد طلوعه ، قال عليه السلام : " إن بلالاً يؤذن بليل ؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابنُ أم مكتوم " ( 2 ) . وإذا كثر المؤذنون ، فلا يستحب أن يتراسلوا بالأذان ، بل إن وسع الوقت ترتبوا ، وإن ضاق تبدَّدُوا في أطراف المسجد وأذَّنوا ، فيكون كل واحد منفرداً بأذانه ، ويظهر أثر ذلك في الإسماع والإبلاغ . ثم لا يقيم في المسجد إلا واحد . وإن كثر المؤذنون ، فولاية الإقامة لمن أذن أولاً ، والأصل فيه أن بلالاً غاب عن معسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة له ؛ فأذَّنَ رجل من بني صُداء ، فلما رجع بلال ، همَّ بأن يقيم في وقت الإقامة ، فقال عليه السلام : " إن أخا صُداء قد أذن ؛ وإن من أذن فليقم " ( 3 ) .

--> ( 1 ) ر . المختصر : 1 / 62 . ( 2 ) متفق عليه من حديث ابن عمر ( اللؤلؤ والمرجان : 1 / 278 ح 662 ) . ( 3 ) حديث : " إن أخا صداء . . . " رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، وتكلم فيه =