عبد الملك الجويني

607

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولست أدري أن الغالب في الباب التحريم ، حتى يقال في مظان الإشكال يستديم التحريم إلى ثبوت محلل ، أم الغالبُ الإباحة حتى يثبت مُحرِّم ، وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : " هما حرامان " يوضح أن الغالب التحريم ، ثم الثَّبَت الذي نشترطه ليس قاطعاً ، بل غلبة الظن كافية ؛ فإنا نبيح الدمَ ، والبُضع بغلبات الظنون . 1564 - ومما نذكره أن شيخي كان يقول : كما يحرم على الرجال افتراش الحرير ، فكذلك يحرم على النساء ؛ فإن هذا من السرف المجاوز للحد ، وكان يشبّه هذا باستعمال الأواني الفضية ، وظاهر كلام العراقيين دليل على أنه لا يحرم عليهن افتراش الحرير ؛ فإن الفخر في ذلك قريب ، وقد أجاز أبو حنيفة - فيما أظن - ( 1 ) للرجال افتراشَ الحرير ، وهوَّن الأمر في ذلك . 1565 - ومما يتعلق بما نحن فيه أن الصبيان هل يجوز أن يُلبسهم القُوَّام الحرير ؟ كان شيخي يتردد فيه ، ويميل إلى المنع لتغليظٍ فيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وفي بعض التصانيف القطعُ بجواز ذلك ، وهو منقدحٌ على المعنى الذي نبهنا عليه ؛ فإنه يليق بالأطفال ، قريب من شيم النساء في الانحلال المناقض للشهامة . 1566 - وظاهر كلام الأئمة أن من لبس ثوباً ظهارته وبطانته قطن ، وفي وسطه حرير منسوج ، لم يحرم . وفيه نظر من طريق الاحتمال والنقل والله أعلم . 1567 - ثم مما نذكره في ذلك أن الرجل إذا فاجأه قتالٌ ، فلم يجد إلا حريراً ، لبسه ، وهذا في حكم الضرورة ، وفي الحديث ما يدل على أن نهاية الضرورة في ذلك لا تشترط ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لحمزة في لُبس الحرير لحكةٍ كانت به ( 2 ) ، هكذا رواه الصيدلاني ، وهذا ينبه على قُرب الأمر في ذلك .

--> ( 1 ) الأمر كما قال إمام الحرمين ، ففي متن تنوير الأبصار : " ويحلّ توسّده ( الحرير ) وافتراشه " وكذا في متن المختار ، وشرحه الاختيار . ( ر . حاشية ابن عابدين : 5 / 226 ، والاختيار : 5 / 158 ) . ( 2 ) حديث الترخيص في لبس الحرير بسبب الحكة ، متفق عليه من حديث أنس ، وأن الترخيص كان لعبد الرحمن بن عوف ، والزبير بن العوّام ، وليس لحمزة . ( ر . اللؤلؤ والمرجان : =