عبد الملك الجويني

601

نهاية المطلب في دراية المذهب

1556 - ثم ذكر الأئمة صوراً في القولين منها : أنه لو صلى وكان بالقرب منه حِصن يمكنه التحصن به ، فلم يره ، أو كان بين العدوّ الذين رآهم وبينه حائل من خندق ، أو [ ماء لا يُخيض ] ( 1 ) أو ما أشبه ذلك ، وهو لم يره . وكل ذلك يجمعه أنه لو خاف أمراً لو تحقق ، لصحت صلاة الخوف معه ، ولكن بان أن الأمر على خلاف ما ظنه ، ففي صحة الصلاة القولان . 1557 - ثم ذكر الأئمة في تفاصيل ذكر الخوف الاستسلامَ وحكمَه ، ونحن نذكر منه قدرَ الحاجة الآن ، ونبني عليه غرضَ الباب إن شاء الله تعالى . وذكر شيخي وغيرُه قولين أن من قصده مسلم في نفسه ، فهل يجوز له أن يستسلم للهلاك ، ولا يذب عن نفسه ؟ أحد القولين : إنه يجب الذب ؛ فإن الروح لا يحل بذلُه ، والدفع سائغ ، [ فليجب ] ( 2 ) ؛ فإن الصائل لا حرمة له . والقول الثاني - يجوز الاستسلام للهلاك ، لأخبارٍ صحيحة ، منها ما رواه حذيفةُ بنُ اليمان أن النبي عليه السلام قال : " ستكون فتن كقطع الليل ، القاعدُ فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي " . فقال قائل : لو أدركتُ هذا الزمان فماذا أفعل ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " ادخل بيتك " فقال : لو دخل شيء من ذلك بيتي ، فقال : إذا أفرقك شعاعُ السيف ، فألق ثوبك على وجهك ، وكن عبدَ الله المقتول ، ولا تكن عبد الله القاتل " ، وفي بعضِ الروايات : " كن خير ابني آدم " . يعني هابيل المستسلم المقتول ، ولا تكن قابيلَ القاتل ( 3 ) .

--> ( 1 ) في النسخ الثلاث : " ما لا يختص " . وهو من التحريف الخطير الذي يحدث كثيراً من النساخ ، بسبب عدم إلف الموضوع وعدم إلف الإملاء الذي كُتب النصّ المنقول به . والمعنى : " بينه وبين العدوّ ماءٌ لا يخاض " أي لا يُعبر إلا سباحة . وقد صدّقتنا نسخة ( ل ) . ( 2 ) في الأصل ، ( ت 1 ) : فليجر ، والمثبت من ( ل ) . ( 3 ) حديث : " كن عبد الله المقتول ، ولا تكن عبد الله القاتل . . . " على النحو الذي ساقه إمام الحرمين ، مروي عن جمع من الصحابة : عن جندب بن سفيان ، وهو عند الطبراني ، وعن خباب ، وهو عند أحمد ، والحاكم ، والطبراني أيضاً ، وعن خالد بن عرفطة ، وعن سعد بن أبي وقاص ، وعن أبي موسى الأشعري ، وعن أبي ذر ، وأخرج الثلاثة أبو داود ، وصحّحها الألباني . =