عبد الملك الجويني
600
نهاية المطلب في دراية المذهب
والثاني - أنه يقيم الصلاة في وقتها ، ويكل أمر الحج إلى ما يتفق ؛ فإن الصلاة تِلْوُ الإيمان ، ولا سبيل إلى تخلية الوقت عنها ، ولا يسقط الخطاب بالصلاة مع بقاء التكليف . وقيل : إنه يصلي صلاة الخوف ماشياً ؛ ليكون جامعاً بين التسرّع إلى الحج ، وبين إقامة الصلاة . فإن قيل : كيف يتجه هذا والخوف في فوات شيءٍ كالخوف في فوات الكفار إذا انهزموا ؟ وقد ذكرنا أنه لا تجوز صلاة الخوف في ركوب أقفيتهم ليدرَكوا ؟ قلنا : هذا سؤال مشكل ، ولولاه ، لقطعنا بصلاة الخوف ، ولكن الحج في حكم شيء حاصل في حق المُحْرم ، والفوات طارىء عليه ، فهو شبيه من هذا الوجه بمالٍ حاصل يخاف هلاكه ، لو لم يهرب به . وهذا لطيف حسنٌ ؛ من جهة تحقق الحج في حق المُحرم ، مع أن الوقوف عُرضة الفوات ، ولم يتحقق بعدُ ملابستُه ، وهذا منشأ التردد في المسألة . فهذا تفصيل القول في الخوف . فصل 1555 - إذا رأى سواداً فظنه عدواً ، فهرب ، ثم تبين أنه لم يكن عدواً وإنما كان إبلاً تسرح ، أو ما أشبهها ، فإذا صلى صلاة الخوف ، ثم بان له حقيقةُ الحال ، ففي المسألة قولان مشهوران : أحدهما - ولعله الأصح - أنه يقضي ؛ فإنه ظن أمراً ، ولم يكن كما ظن ، وصلاة الخوف نيطت بحقيقة الأمر . والقول الثاني - أنها لا تُقضى ؛ فإن الخوف قد تحقق ، وهو مناط الصلاة في نص القرآن ؛ فإنه تعالى قال : { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } [ البقرة : 239 ] وهذا الذي فيه الكلام خائف قطعاً . وهذا غير سديد ؛ فإنه تعالى أراد الخوفَ في القتال القائم على تحقق ، والعلم عند الله تعالى .