عبد الملك الجويني
597
نهاية المطلب في دراية المذهب
باب من له أن يصلي صلاة الخوف 1551 - نذكر في هذا الباب مقاصدَ منها : تفصيلُ الخوف الشديد وسببه ، فإذا تحركت الصفوف ، والتف الحزبان في قتالٍ واجب ، أو في قتالٍ مباح ، واقتضت الحال ملابسةَ ما هم فيه ، فهذا ما ذكرناه . ولو انهزم العدو ، وركب المسلمون أقفيتَهم ، وعلموا أنهم لو نزلوا وصلّوا متمكنين ، فات العدوّ ، فلا يصلّون صلاة الخوف ؛ إذ لا خوفَ ، وإنما هذا فواتُ مطلوبٍ ، والرخص لا يُعدى بها مواضعها . ولو انهزم المسلمون فاتبعهم الكفار ، نُظر : فإن حل لهم أن ينهزموا ، صلوا صلاة الخوف ، وذلك إذا زاد الكفار على الضعف ، كما سيأتي في السِّير إن شاء الله ، وإن حرمت الهزيمة ، لم يجز لهم أن يصلوا صلاة الخوف ؛ فإنهم متعرّضون في الهزيمة المحرمةِ لسخط الله ، والرخص لا تناط بالمعاصي عندنا . 1552 - وما نفصله الآن القول في القتال الواجب والمباح . فالواجب كقتال الكفار ، والمباح بمثابة الذبّ عن المال . فظاهرُ المذهب أنه إن مست الحاجة في الذب عن المال إلى ملابسة قتال ، فتجوز صلاة الخوف بسببه ، ونقل الأئمة والصيدلاني قولاً عن الشافعي : " أنه لا تجوز إقامة صلاة الخوف في الذبّ عن المال " ، وموضع النص أن الرجل لو تبعه سيل وعلم أنه لو مرّ مسرعاً بماله وصلى مارّاً مومياً ، سلم وسلم مالُه . ولو صلّى متمكناً ، أمكنه أن يهرب ، ويتلف ماله ، قال : لا يصلي صلاة الخوف . وهذا غريب ، وظاهر النصوص الجديدة يخالف هذا ؛ فاستنبط أئمتنا من هذا النص قولاً في أن الذاب عن ماله إذا علم أنه لا يتأتى له دفع قاصدٍ مالَه إلا بقتله أو بما يؤدي إلى القتل ، فليس له أن يدفعه ، وهذا بعيدٌ جداً ، وقد