عبد الملك الجويني
545
نهاية المطلب في دراية المذهب
كان الخطيب يخطب ، فسبقه الحدث في أثناء الخطبة ، فلو أتى بركنٍ في حالة الحدث ، فلا أشك أنه لا يعتد بما جاء به في الحدث ، ولكنه إذا جدد الوضوءَ ، فيستأنف الخطبة ، أو يبني عليها ، ويأخذ من حيث جرى الحدث ؟ وذكر شيخي في ذلك وجهين مبنيين على أن الموالاة هل تشترط في الخطبة ؟ وهذا منه دليل على أنه ليس يتلقى اشتراطَ الطهارة من نفس الموالاة ؛ فإنه كان يقول : إن شرطنا الموالاة ، وقد اتفق الوضوء على قربٍ من الزمان لا تنقطع بتخلل مثله الموالاة ، فهل يجب استئناف ( 1 ) الخطبة ؟ فعلى وجهين ، أحدهما - يجب كالصلاة يطرأ عليها الحدث . والثاني - لا يجب ؛ فإن الخطبة لا عقد فيها ، وإنما المرعي فيها الموالاة ، لغرض تواصل الكلام ، وإفادة الوعظ ، وإذا لم يتخلل زمان طويل ، جاز البناء ، وإن جرى الوضوء في زمان طويل ، فلا شك أنا نأمره بالاستئناف على قول اشتراط الموالاة . وحفزني على هذا شيء ، وهو أن الموالاة إذا اختلت في الطهارة بعذر ، فالطريقة المرضية أن ذلك لا يقدح في الطهارة ، وإن شرطنا الموالاة فيها ، ولكن الذي أراه أن الموالاة إذا انقطعت بعذرٍ في الخطبة ، فلا أثر للعذر ، وفي انقطاع الخطبة ووجوب الاستئناف الخلاف ؛ والسبب في ذلك أن الطهارة غيرُ معقولة المعنى ، ولا يختل بترك الموالاة فيها غرض ، ولكن من حيث إن الطهارة عُهدت متوالية ، كما عهدت مرتبة ، اشترطنا في قولٍ الموالاة فيها ، فإذا فرض عذرٌ ، لم يمتنع أن يعذر صاحب الواقعة ، على أنه قد ورد على حسب ذلك أثرٌ عن ابن عمر ( 2 ) . وأما اشتراط الموالاة في الأذان والخطبة ؛ فإنه متعلق بمعنى معقول ، فإذا اختل ذلك المعنى المعتبر ، لم يظهر فرق بين المعذور وغيره .
--> ( 1 ) أي ابتداء الخطبة من جديد . ( 2 ) يشير إلى أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - في تفريق الوضوء لعذر ، ففي الموطأ عن نافع عن ابن عمر " أنه بال في السوق فتوضأ ، فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ، ثم دخل المسجد فدعي لجنازة ، فمسح على خفيه ، ثم صلى " رواه مالك ، وعنه الشافعي ، وعلقه البخاري بلفظ آخر ( ر . الموطأ : 1 / 60 ح 43 ، الأم : 1 / 27 ، البخاري : الغُسل ، باب تفريق الغسل والوضوء ، قبل ح 265 ، التلخيص : 1 / 173 ح 116 ) .