عبد الملك الجويني
541
نهاية المطلب في دراية المذهب
فإنه ينطلق عليه اسم الوصية بالتقوى والخير ، ولكني ما أرى هذا القدرَ من أبواب المواعظ التي تنبه الغافلين ، وتستعطف [ القلوب ] ( 1 ) الأبيَّة العصيَّة ، إلى مسالك البرّ والتقوى . وإن كان المتبع مسالكَ الأولين في العُصُر الخالية ، فالغرض فصلٌ مجموع يهزّ ، ويقع من السامعين موقعاً . وقد بالغ الشافعي في الاتباع حتى أوجب الجلوس بين الخطبتين ، كما سأذكره . وليس يليق بمذهبه أن يُعدَّ قولُ الخطيب : " الحمدُ لله ، والصلاة على محمد ، أطيعوا الله " خطبة تامةً ، والعلم عند الله . وقد ذكر الشافعي لفظ الوعظ في الإملاء وفيه إشعار بما ذكرته . أما الاقتصار على كلمة في الحمد والصلاة مع أداء معناهما ، فلا شك في كفايته ، فإنما قولي هذا في الوعظ ، وهذا الآن يشير إلى ما ذكره بعض المصنفين من أن مقصود الخطبة الوعظُ ( 2 ) ، والحمد والصلاة ذريعتان . 1465 - فأما قراءة القرآن إذا أوجبناها على المشهور ، فالذي ذكره الأئمة : لا بد من قراءة آية تامة . وهذا فيه كلامٌ عندي ، ولو قرأ شطراً من آيةٍ طويلة ، فلست أُبعد كفايةَ ذلك ، ولا أشك أنه لو قال : { ثُمَّ نَظَرَ } [ المدثر : 21 ] لم يكفِ ذلك ، وإن عُدَّ آية ، ولعل الأقرب أن يقرأ ما لا يجري على نظمه ذكرٌ من الأذكار ، وهو المقدار الذي يحرم قراءته على الجنب ، ولست أرى للآية الواحدة في هذا الباب ثَبَتاً في التوقيف . ومما لا بد من إجزائه أنه لو قرأ الخطيب آيةً فيها وعدٌ أوْ وعيد ، أو حكمٌ شرعيّ ، أو معنى مستقل في وقعةٍ ، فهذا كافٍ ، ولو قرأ من أثناء قصّةٍ ما يحرم قراءتُه على الجنب ، ولكن كان لا يستقل بإفادة معنى على حياله ، فهذا مما أتردد فيه . 1466 - وبلائي كله من شيئين : أحدهما - أن بَني الزمان ليس يأخذهم في طلب الغايات ، [ لا . بل ] ( 3 ) في طلب حقيقة البدايات ما يأخذني ، فلا يهتدون
--> ( 1 ) ساقطة من الأصل ، ومن ( ط ) . ( 2 ) لا يفوتنا أن نسجل هنا هذا الإنصاف من إمام الحرمين ل ( بعض المصنفين ) : أبي القاسم الفوراني - فمع " كثرة الحط عليه " على حد قول السبكي إلا أنه هنا يستشهد بقوله ، ويستند إليه ، ويعجب به . ( 3 ) في الأصل ، وفي ( ط ) : لكن . والمثبت من ( ت 1 ) .