عبد الملك الجويني
540
نهاية المطلب في دراية المذهب
1462 - واتفقت الطرق على أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالنبوة والرسالة ، وسائر وجوه المناقب التي خصه الله تعالى بها ، لا يقوم مقامَ الصلاة عليه ، فلا بد منها ، ويشهد [ لتعينها ] ( 1 ) وجوبها على التعيين في الصلاة بعد التشهد . وذكر العراقيون ذكرَ الله وذكرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يتعرضوا للحمد ولا للصلاة ، وظنّي أنهم أرادوا الحمد والصلاة ، ولكنَّ لفظَهم [ ما ] ( 2 ) نقلته . 1463 - فأما القول في الحث على التقوى ، فلا شك أن لفظ الوصية ليس معيَّناً ، وإنما الغرض الاستحثاث على التقوى بأية صيغة كانت ، ثم التقوى تجمع كلَّ وعظ ، وهي مشعرة بالإقدام على المأمورات ، والإحجام عن المنهيات ، وقد بحثت عن الطرق ، فلم أرها متعينة ، بل الغرض الوعظ ، وقد نص عليه الشافعي في الإملاء فيما نقله الشيخ أبو علي ، وأبواب المواعظ راجعة إلى الحث على الطاعة ، والزجر عن المعصية ، وفي أحدهما إشعار بالثاني ، فيقع الاكتفاء به ، وأما التحذير عن عقاب الله ، والترغيب في ثواب الله ، ففي ذكرهما ، أو ذكر أحدهما كفاية عن التصريح بالأمر بطاعة الله ، والنهي عن مخالفته ، فيما أراه . وهذا حقيقة التقوى . فأما الاقتصار على ذكر التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها ، فلست أراه كافياً ، من جهة أنها مما يتواصى به المعطّلة المنكرون للمعاد . وينبغي أن يكون الوعظ في أول درجاته مشعراً بمواعيد الشرع والتزامها . وكذلك الأمر بالإحسان المطلق ، من غير تعرض لذكر الله تعالى ، ما أراهُ مجزياً . وأما ذكر الموت ، فإن اشتملت الوصية على الأمر بالتأهب والاستعداد له ، فهو كاف ، وإن لم يَجْر إلا ذكره ، فهو من الاقتصار على ذكر فناء أعراض الدنيا فيما أظن . 1464 - ومما يدور في الخلد أن الخاطب لو اقتصر على كلم معدود ، ليس فيها هزٌّ ، واستحثاث على الخير ، أو زجر عن معصية ، مثل أن يقول : أطيعوا الله واجتنبوا معاصيه . فهذا القدر لو فرض الاقتصار عليه ، فالذي يؤخذ من قول الأئمة أنه كافي ؛
--> ( 1 ) زيادة من ( ت 1 ) . ( 2 ) في الأصل ، و ( ط ) : من .